أبي نعيم الأصبهاني
261
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
ليغنم ، ويخالق ليعلم ، لا ينصت لخير حين ينصت وهو يسهو ، ولا يستمع له وهو يلغو ، لا يحدث أمانته الأصدقاء ، ولا يكتم شهادته الأعداء ، ولا يعمل من الخير شيئا رياء ، ولا يترك منه شيئا حياء ، مجالس الذكر مع الفقراء أحب اليه من مجالس اللهو مع الأغنياء . ولا تكن يا بنى ممن يعجب باليقين من نفسه فيما ذهب ، وينسى اليقين فيما رجا وطلب ، يقول فيما ذهب لو قدر شيء لكان ، ويقول فيما بقي ابتغ « 1 » أيها الانسان ، شاخصا غير مطمئن ، ولا يثق من الرزق بما قد ضمن . لا تغلبه نفسه على ما يظن ، ولا يغلبها على ما يستيقن ، فهو من نفسه في شك ، ومن ظنه ان لم يرحم في هلك ، ان سقم ندم ، وإن صح امن ، وإن افتقر حزن ، وإن استغنى افتتن ، وإن رغب كسل ، وإن نشط زهد ، يرغب قبل أن ينصب ، ولا ينصب فيما يرغب ، يقول لم اعمل فاتعنى ، بل أجلس فاتمنى ، يتمنى المغفرة ويعمل بالمعصية ، كان أول عمره غفلة وغرة ، ثم أبقى وأقيل العثرة ، فإذا في آخره كسل وفترة ، طال عليه الأمل فافتتن ، وطال عليه الأمد فاغتر ، واعذر اليه فيما عمر ، وليس فيما اعمر بمعذر ، عمر ما يتذكر فيه من تذكر ، فهو من الذنب والنعمة موقر ، أن اعطى من ليشكر « 2 » ، أو ان منع قال لم يقدر ، أساء العبد واستأثر ، يرجو النجاة ولم يحذر ، ويبتغى الزيادة ولم يشكر ، حق أن يشكر وهو أحق أن لا يعذر ، يتكلف ما لم يؤمر ، ويضيع ما هو أكثر ، ان يسأل أكثر ، وان انفق قتر ، يسأل الكثير ، وينفق اليسير ، قدر له خير من قدره لنفسه فوسع له رزقه ، وخفف حسابه ؛ فاعطى ما يكفيه ومنع ما يلهيه ، فليس يرى شيئا يغنيه ، دون غنى يطغيه ، يعجز عن شكر ما اوتى ، ويبتغى الزيادة فيما بقي ، يستبطئ نفسه في شكر ما اوتى ، وينسى ما عليه من الشكر فيما وفي ، ينهى فلا ينتهى ، ويأمر بما لا يأتي ، يهلك في بغضه ويقصر في حبه ، غره من نفسه حبه ما ليس عنده ، وبغضه على ما عنده مثله ، يحب الصالحين فلا يعمل أعمالهم ، ويبغض المسيئين وهو أحدهم ، يرجو
--> ( 1 ) في المختصر . أتبع : ( 2 ) وفيه ليستكثر .