أبي نعيم الأصبهاني

262

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

الآخرة في البغض على ظنه ، ولا يخشى المقت في اليقين من نفسه ، لا يقدر في الدنيا على ما يهوى ، ولا يقبل من الآخرة ما يبقى ، يبادر من الدنيا ما يفنى ويترك من الآخرة ما يبقى . ان عوفي حسب أنه قد تاب ، وان ابتلى عاد . يقول في الدنيا قول الزاهدين ، ويعمل فيها عمل الراغبين ، يكره الموت لا ساءته ، ولا ينتهى عن الإساءة في حياته ، يكره الموت لما لا يدع ، ويحب الحياة لما لا يصنع ، ان منع من الدنيا لم يقنع ، وان اعطى منها لم يشبع ، وان عرضت الشهوة قال يكفيك العمل فواقع ، وان عرض له العمل كسل وقال يكفيك الورع . لا تذهب مخافته الكسل ، ولا تبعثه رغبته على العمل . يرجو الأجر بغير عمل ، ويؤخر التوبة لطول الامل ، ثم لا يسعى فيما له خلق ، ورغبته فيما تكفل له من الرزق ، وزهادته فيما امر به من العمل ، ويتفرغ لما فرغ له من الرزق ، يخشى الخلق في ربه ، ولا يخشى الرب في خلقه ، يعوذ باللّه ممن هو فوقه ، ولا يعيذ باللّه من هو تحته ، يخشى الموت ، ولا يرجو الفوت ؛ يأمن ما يخشى وقد أيقن به ؛ ولا ييأس مما يرجو وقد تيقن منه ؛ يرجو نفع علم لا يعمل به ، ويأمن ضر جهل قد أيقن به ، يسخر بمن تحته من الخلق ؛ وينسى ما عليه فيه من الحق ، ينظر إلى من هو فوقه في الرزق ، وينسى من تحته من الخلق ، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ، ويرجو لنفسه بأيسر من عمله ، يبصر العورة من غيره ويغفلها من نفسه ، إن ذكر اليقين قال ما هكذا من كان قبلكم ، فان قيل أفلا تعمل أنت عملهم ؛ يقول : من يستطيع ان يكون مثلهم . فهو للقول مدل ، ويستصعب عليه العمل ، يرى الأمانة ما عوفي وأرضى ، والخيانة ان اسخط وابتلى ، يلين ليحسب عنده أمانة فهو يرصدها للخيانة ، يتعلم للصداقة ما يرصد به للعداوة ، يستعجل بالسيئة وهو في الحسنة بطيء ، يخف عليه الشعر ، ويثقل عليه الذكر ، اللغو مع الأغنياء أحب اليه من الذكر مع الفقراء ، يتعجل النوم ويؤخر الصوم ، فلا يبيت قائما ولا يصبح صائما ، ويصبح وهمه التصبح من النوم ولم يسهر ، وبمشى وهمه العشاء وهو مفطر - زاد الحجاج عن المسعودي في روايته - إن صلى اعترض ، وإن ركع ربض ،