أبي نعيم الأصبهاني

73

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

بالأشباح ، وكيف ينعت بالألسن الفصاح ، من لم يكن في الأشياء فيقال بائن ، ولم يبن عنها فيقال كائن ، بل هو بلا كيفية . وهو أقرب من حبل الوريد ، وأبعد في الشبه من كل بعيد ، لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة ، ولا كرور لفظة ، ولا ازدلاف رقوة ، ولا انبساط خطوة ، في غسق ليل داج ، ولا ادلاج ، لا يتغشى عليه القمر المنير ، ولا انبساط الشمس ذات النور بضوئهما في الكرور ، ولا إقبال ليل مقبل ، ولا إدبار نهار مدبر ، إلا وهو محيط بما يريد من تكوينه . فهو العالم بكل مكان وكل حين وأوان ، وكل نهاية ومدة . والأمد إلى الخلق مضروب ، والحد إلى غيره منسوب ، لم يخلق الأشياء من أصول أولية ، ولا بأوائل كانت قبله بدية ، بل خلق ما خلق فأقام خلقه ، وصور ما صور فأحسن صورته ، توحد في علوه فليس لشئ منه امتناع ، ولا له بطاعة شيء من خلقه انتفاع ، إجابته للداعين سريعة ، والملائكة في السماوات والأرضين له مطيعة ، علمه بالأموات البائدين ، كعلمه بالأحياء المتقلبين ، وعلمه بما في السماوات العلى ، كعلمه بما في الأرض السفلى ، وعلمه بكل شيء . لا تحيره الأصوات ، ولا تشغله اللغات ، سميع للأصوات المختلفة ، بلا جوارح له مؤتلفة ، مدبر بصير ، عالم بالأمور ، حي قيوم . سبحانه كلم موسى تكليما بلا جوارح ولا أدوات ، ولا شفة ولا لهوات ، سبحانه وتعالى عن تكييف الصفات ، من زعم أن إلهنا محدود ، فقد جهل الخالق المعبود ، ومن ذكر أن الأماكن به تحيط ، لزمته الحيرة والتخليط ، بل هو المحيط بكل مكان ، فإن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف الرحمن ، بخلاف التنزيل والبرهان ، فصف لي جبريل وميكائيل وإسرافيل هيهات ؟ أتعجز عن صفة مخلوق مثلك ، وتصف الخالق المعبود ، وأنت « 1 » تدرك صفة رب الهيئة والأدوات ، فكيف من لم تأخذه سنة ولا نوم ؟ له ما في الأرضين والسماوات وما بينهما وهو رب العرش العظيم . هذا حديث غريب من حديث النعمان كذا رواه ابن إسحاق عنه مرسلا . * حدثنا عبد اللّه بن محمد بن جعفر ثنا إبراهيم

--> ( 1 ) في الأصل : وإنما تدرك . ولا تستقيم العبارة .