أبي نعيم الأصبهاني
29
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
والأعراض ، وانتصب في قيام التوحيد للتهدف والأغراض ، صار للمحن هدفا ، وللبلاء غرضا ، وزهد فيما عزله جوهرا كان أو عرضا ، تفرد بالحق ، عن الالتفات إلى الخلق ، وقد قيل إن التصوف الاعتصام بالحقائق ، عند اختلاف الطرائق * حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان ثنا يحيى بن بكير قال حدثني الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب : قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس : أن أبا بكر رضى اللّه تعالى عنه خرج حين توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعمر يكلم الناس فقال : اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس ، فقال اجلس يا عمر ، فتشهد فقال : أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدا فان محمدا قد مات ، ومن كان منكم يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت ، إن اللّه تعالى قال ( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) الآية . قال : واللّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللّه عز وجل أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها « 1 » منه الناس كلهم ، فما نسمع بشرا من الناس إلا يتلوها . قال ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قال : واللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت « 2 » حتى ما تقلني رجلاى ، وحتى أهويت إلى الأرض وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد مات . قال الشيخ رحمه اللّه : وكان رضى اللّه تعالى عنه يتوصل بعز الوفاء ، إلى أسنى مواقف الصفا . وقد قيل : إن التصوف تفرد العبد ، بالصمد الفرد * حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضى اللّه تعالى عنها قالت : لما أنفذت قريش جوار ابن الدغنة قالوا له مر أبا بكر فليعبد ربه في داره . وليصل فيها ما شاء وليقرأ ما شاء . ولا يؤذينا ولا يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره . قال ففعل أبو بكر رضى اللّه تعالى عنه ، ثم بدا له فابقنى مسجدا بفناء داره . فكان يصلى فيه ويقرأ . فتقصف « 3 » عليه نساء المشركين وأبناؤهم يتعجبون
--> ( 1 ) ح : فتلاها . ( 2 ) ز : فقعدت . ( 3 ) تتقصف عليه : تزدحم .