أبي نعيم الأصبهاني

30

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

منه ، وينظرون إليه . وكان أبو بكر رضى اللّه تعالى عنه رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش ، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال : يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه ، فإما أن تقتصر على ذلك ، وإما أن ترجع إلى ذمتي ، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت في عقد رجل عقدت له . فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك ، وأرضى بجوار اللّه ورسوله ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يومئذ بمكة . * حدثنا عبد اللّه بن محمد ثنا أحمد بن علي بن الجارود ثنا عبد اللّه ابن سعيد الكندي ثنا عبد اللّه بن إدريس الأودي . وحدثنا الحسين بن محمد ثنا الحسن ثنا حميد ثنا جرير ثنا أبو إسحاق الشيباني عن أبي بكر بن أبي موسى عن الأسود بن هلال . قال قال أبو بكر رضى اللّه تعالى عنه لأصحابه : ما تقولون في هاتين الآيتين ؟ ( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ) و ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ) . قال قالوا : ربنا اللّه ثم استقاموا ، فلم يدينوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم بخطيئة . قال لقد حملتموها على غير المحمل ، ثم قال : قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا فلم يلتفقوا إلى إله غيره ، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك . قال الشيخ رحمه اللّه : كان رضى اللّه عنه من أحواله العزوف « 1 » عن العاجلة ، والأزوف من الآجلة . وقد قيل إن التصوف تطليق الدنيا بتاتا ، والإعراض عن منالها ثباتا * حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أبو بكر بن أبي عاصم ثنا الحسن بن علي والفضل بن داود . قالا : ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا عبد الواحد بن زيد ثنا أسلم عن مرة الطيب « 2 » عن زيد بن أرقم : أن أبا بكر رضى اللّه تعالى عنه : استسقى فأتى بإناء فيه ماء وعسل ، فلما أدناه من فيه بكى وأبكى من حوله ، فسكت وما سكتوا . ثم عاد فبكى حتى ظنوا أن لا يقدروا على مساءلته ، ثم مسح وجهه وأفاق . فقالوا : ما هاجك على هذا البكاء ؟ قال كنت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وجعل يدفع عنه شيئا ويقول : « إليك عنى ، إليك عنى » ولم أر معه أحدا فقلت يا رسول اللّه أراك تدفع عنك شيئا

--> ( 1 ) العزوف : المبتعد . والأزوف : المقترب ( 2 ) في ح : عن مبرة الطبيب وهو تصحيف .