أبي نعيم الأصبهاني

28

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

الغيوب ، المراقبون للمحبوب ، التاركون للمسلوب ، المحاربون للمحروب ، سلكوا مسلك الصحابة والتابعين ، ومن نحى نحوهم من المتقشفين والمتحققين ، العالمين بالبقاء والفناء ، والمميزين بين الإخلاص والرياء ، والعارفين بالخطرة والهمة والعزيمة والنية ، والمحاسبين للضمائر ، والمحافظين للسرائر ، المخالفين للنفوس ، والمحاذرين من الخنوس « 1 » بدائم التفكر ، وقائم التذكر ، طلبا للتدانى ، وهربا من التوانى ، لا يستهين بحرمتهم « 2 » إلا مارق ، ولا يدعى أحوالهم إلا مائق ، ولا يعتقد عقيدتهم إلا فائق ، ولا يحن إلى موالاتهم إلا تائق « 3 » فهم سرج الآفاق ، والممدود إلى رؤيتهم بالأعناق ، بهم نقتدى وإياهم نوالى إلى يوم التلاق . [ من اشتهر من الصحابة ] قال الشيخ : رحمه اللّه : بدأنا بذكر من اشتهر من الصحابة بحال من الأحوال ، وحفظ عنه حميد الأفعال ، وعصم من الفتور والاكسال ، وفصل له العهود والحبال ، ولم يقطعه سآمة ولا ملال ، فمن المهاجرين أولهم 1 - أبو بكر الصديق أبو بكر الصديق ، السابق إلى التصديق ، الملقب بالعتيق ، المؤيد من اللّه « 4 » بالتوفيق ، صاحب النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحضر والأسفار ، ورفيقه الشفيق في جميع الأطوار ، وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الأخيار ، وعامة الأبرار ، وبقي له شرفه على كرور الأعصار ، ولم يسم إلى ذروته همم أولى الأيد والأبصار ، حيث يقول عالم الأسرار ( ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ ) إلى غير ذلك من الآيات والآثار ، ومشهور النصوص الواردة فيه والأخبار ، التي غدت كالشمس في الانتشار ، وفضل كل من فاضل ، وفاق كل من جادل وناضل ، ونزل فيه ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ ) توحد الصديق ، في الأحوال بالتحقيق ، واختار الاختيار من اللّه دعاه إلى الطريق ، فتجرد من الأموال ،

--> ( 1 ) الخنوس : التأخر ( 2 ) ح : بخدمتهم ( 3 ) ح : إلا سابق ( 4 ) ح : من السماء