محمد بن سلام الجمحي
664
طبقات فحول الشعراء
فأخبرها بما قال مسلمة وقال : تنحّى عنّى حتى أفرغ للنّاس . قالت : فأمتعنى منك مجلسا واحدا ، ثم اصنع ما بدا لك . " 1 " قال : نعم . / فقالت لمعبد : كيف الحيلة ؟ قال : يقول الأحوص أبياتا وتغنّى فيها . قالت : نعم . فقال : الأحوص : ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا * فقد غلب المحزون أن يتجلّدا " 2 " إذا كنت عزهاة عن اللهو والصّبا ، * فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا " 3 " فما العيش إلّا ما تلذّ وتشتهى ، * وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا " 4 " فغنّى فيه معبد وقال : مررت البارحة بدير نصارى ، وهم يقرءون بصوت شج ، فحكيته في هذا الصوت . " 5 " فلمّا غنّته حبابة هذا الصّوت ، قال : لعن اللّه مسلمة ! صدقت ، واللّه لا أطيعهم أبدا .
--> ( 1 ) ما دهاك عنى : أي ما ذا أصابك حتى صرفك عنى ، فاختصروا الكلام . ( 2 ) شعر الأحوص ( عادل ) : 98 - 104 ، ( السامرائي ) : 56 - 64 ، وتخريجها فيهما ، واللسان ( بله ) وغيرها . تبلد الرجل : إذا أصيب في حميمه فيجزع لموته ، وتنسيه مصيبته الحياء ، فتراه مستكينا متحيرا كالذاهب العقل . والتبلد : نقيض التجلد في مثل هذا . ( 3 ) اللسان ( عزه ) . رجل عزهاة وعزهاءة : وهو الذي لا يقرب النساء وينقبض عنهن ويعرض ، من زهو أو كبر ، أو أنفة من الضعف والاستكانة لحبهن أو سطوتهن على الرجال وصخرة جامد : شديدة مجتمعة صلبة . ( 4 ) اللسان ( شنأ ) . وتفسير الطبري 9 : 487 . الشنان ، الشنآن ، سهل همزته : وهو البغض ، شنئ الشئ يشنأه : أبغضه . وفنده : لامه وعذله وضعف رأيه وخطأه ، من الفند ( بفتحتين ) : وهو الخرف وضعف العقل من هرم أو مرض . ( 5 ) في " م " : " فإنهم يقولون بصوت شجى " ، كأنه عنى بالقول : القراءة فيها الغناء وقد سموا بعض أهل الغناء فيما بعد " القوالين " . وصوت شج وشجى : حزين يبعث الحزن ويحرك النفس .