محمد بن سلام الجمحي
644
طبقات فحول الشعراء
أسهّد من نوم العشاء ، كأنّنى * سليم يغرّ الضّرو بالنّبوان " 1 " عليه تميمات ، كأنّ فؤاده * جناحا عقاب دائم الخفقان " 2 " تضيق بي الأرض الفضاء لخوفه * وإن كنت قد طوّفت كلّ مكان وآليت لا آتيك إلا مسالما * معي منك ، يا ابن الأكرمين ، أماني " 3 " وما العرق كانت لي بدار إقامة * ولا الجوّ منها كان لي بمغانى " 4 " أعوذ بقبرى يوسف وابن يوسف * أخيك ، وبالقبر الّذى بعدان " 5 "
--> ( 1 ) يسهد : أي يمنع من نوم العشاء ، وكانوا يمنعون السليم ( الملدوغ ) من نوم الليل لئلا ينام فيدب السم في بدنه ، وكذلك قال الرازي في الحاوي 19 : 299 : " ولا يترك الملسوع والمسموم ينام " . ولذلك كانوا يعلقون عليه الحلى والجلاجل ، حتى لا تتركه القعقعة ينام ، كما قال النابغة . والسليم : اللديغ الذي نهشته الحية أو غيرها . يقال : غر الطائر فرخه يغره ، أي زقه ليطعمه . والضرو ( بكسر الضاد وفتحها ) : شجر طيب الريح يستاك بأعواده ، ويجعل ورقه في العطر ، وهو البطم والحبة الخضراء ، ويطبخ ورقه ويتداوى به من خشونة الصدر ووجع الحلق والسعال ، ذكره ابن البيطار في مفرداته ( البطم 1 : 98 / الضرو 2 : 92 ) ، ورأيت الرازي ذكر في علاج السموم 19 : 263 الحبة الخضراء متى شربت وافقت لذع الرتيلا ( وهي سامة ) ، وذكر ابن البيطار في الضرو أنه إذا طبخت أطرافه الغضة ثم صفى وشرب منه قيأ قيئا عظيما ، والقئ نافع في طرد السموم . فكأنهم كانوا يزقون اللديغ بترياق من " الضرو " ، كما دل عليه هذا البيت . انظر الحيوان 4 : 122 - 124 ، 127 . ولم أجد صفة ذلك عند أهل البادية في كتاب . والنبوان : قال لغدة في كتابه : 288 : " ومن ناحيته القصيم خارجا منه : النبوان ، وهو ماء ، ويسمى أيضا جو مرامر ، نصفه لعبس ، ونصفه لبنى كوز وهاجر ابني كعب " ، وفي ياقوت : " نبوان : ماء نجدى لبنى أسد " . ( 2 ) التميمة : قلادة من سيور في خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم ينفون بها النفس والعين بزعمهم فأبطله الإسلام . وظاهر هذا الشعر يدل على أنهم كانوا يعلقون على اللديغ خرزة يظنون فيها الدواء والشفاء ، أو دفع الموت . وفي المخطوطة : " دائم " بالرفع ، كأنه لما قال : " جناحا " ، أعرض عن التثنية وكأنه قال : " جناح عقاب " ، فنعته بالمفرد . وبالجر على : دائم الخفق بجناحيه . ( 3 ) آليت : أقسمت . والمسالمة : المصالحة ، وأراد هنا الانقياد والطاعة . ( 4 ) " عرق " و " الجو " ، مكانان ، وهو اسم مشترك " ولم أستطع أن أحدد ما يريد . والمغانى جمع مغنى : وهو المكان الذي يغنى به أهله ، أي يقيمون . ( 5 ) " يوسف " ، هو يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي ، أبو الحجاج . و " ابن يوسف " ، هو محمد بن يوسف بن الحكم الثقفي ، أخو الحجاج ، ومات باليمن سنة 91 ( انظر ما سلف -