محمد بن سلام الجمحي
611
طبقات فحول الشعراء
وقد تصلّيت حرّ نارهم ، * كما تصلّى المقرور من قرس " 1 " تذبّ عنه كفّ بها رمق ، * طيرا عكوفا كزوّر العرس " 2 " عمّا قليل علون جثّته ، * فهنّ من والغ ومنتهس " 3 "
--> ( 1 ) يزاد في تخريجه ، التشبيهات لابن أبي عون : 335 ، ويروى : " حر حربهم " . صلّى بالنار وتصلاها واصطلى بها : تاسى حرها ، وكذلك الأمر الشديد . والمقرور : الذي يقاسى القر ، وهو البرد الشديد . والفرس : أشد البرد وألذعه . يقول : تعرضت لهذه النار الجاحمة من الحرب ، تحسبها نعمة ومتاعا ، كما يتعرض المقرور للنار الموقدة يصطلى ويستدفئ ويستمتع ، فكان ما علمت من المكاره والمهالك ! يهزأ به . ( 2 ) اللسان ( عكف ) ، وفي حماسة ابن الشجري : 273 : " تكف عنه " وليست بجيدة . الضمير في " عنه " لأجيره القتيل ، رجع من الخطاب إلى الغيبة لما فرغ من الهزء به . ذب عنه يذب : طرد ودفع ليمنع أذى أن يناله . الرمق : بقية الحياة والروح وآخر النفس . ونسب الرمق للكف ، لأنه لا يملك أن يحرك شيئا من بدنه إلا كفه . عكفت الطير بالقتيل فهي عكوف : أقبلت عليه واستدارت حوله وأقامت في مكانها ناظرة إليه ، تترقبه حتى يهلك فتأكله . وأراد بالطير العكوف : النسور ، لأنها هي التي تأكل الفتلى والموتى ، وتولع بها . ونسوة زور : زائرات ، جمع زائرة ، مثل نائحة ونوح . والعرس : دعوة الرجل للنساء والرجال في يوم بنائه بامرأته ، يدعوهم للهو والفرح ، ثم يصنع لهم مع ذلك طعاما . شبه النسور بالزائرات في العرس ، قد لبسن البياض وأخذن زينتهن ، وتجمعن ينتظرون الوليمة . والنسور تشبه بالنساء في ثياب البياض ، قالت جنوب أخت عمرو ذي الكلب تذكر أخاها حين قتل : تمشى النّسور إليه وهي لاهية * مشى العذارى عليهنّ الجلابيب والعرب إذا قالت : " الطير " في مثل هذا ، فإنما تعنى النسور والعقبان ، وانظر فصلا جيدا كثير الشواهد في الخزانة 2 : 196 ، 197 . وقد أساء الجاحظ وثعلب غاية الإساءة ، وأفسدا شعر العرب وكلامهم ، في شرح هذا البيت ، قال ثعلب : " يعنى بالطير هنا الذبان ، فجعلهن طيرا وشبه اجتماعهن للأكل باجتماع الناس للعرس " ، وهو كلام مظلم خسيس ينبغي أن ينزه عنه مثل هذا الشعر . وقال الجاحظ أيضا قولا شبيها به ، ولعله هو الذي أضله . ( 3 ) رواية الجاحظ : * إذا ونى ونية دلفن له * أي إذا أبطأ إبطاءة في ذبهن بكفه ، مشين إليه يردن النيل منه . وقوله : " عما قليل " ، أي بعد -