العباس بن بكار الضبي

7

أخبار الوافدات من النساء على معاوية بن أبي سفيان

ومن الوافدات على معاوية من سلقنه بألسنة حداد ، وذلك حين يعمد إلى استثارة حفيظتهن ، وكأنهن قد أمنّ سلفا بما عرف عن معاوية من حلم وأناة ، ومداراة للخصم ، فأفصحن عما تجيش به صدورهن . ولعل معاوية كان يقصد إلى إثارتهن قصدا ليعرف ما في النفوس فيتألف القلوب ويحسن المداراة . وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن معاوية كان لا ينسى في لحظة من اللحظات تلك الخصومة التي كانت مشتعلة بينه وبين علي ، فهو لا يفتا بين حين وآخر يحرك الرماد ليرى ذلك الجمر الكامن تحته . وربما كان يقصد شيئا آخر وهو أن يعرف مواطن الضعف في نفسه فيتلافاها . ويبدو لنا أن رواة هذه الأخبار كانوا يقصدون إلى إبراز أمر والتأكيد عليه ، وهو أن عليا كان صاحب حق ، وأن معاوية كان مغتصبا . وقد ورث علي هذا الحق بسبب مزايا رفيعة اختصه اللّه بها ، وهيأه لها لاستلام أمانة لم تكن بالسهلة ، ولكنهم - أعني الرواة - كانوا أذكياء جدا ، فلم يخطئوا ولا مرة واحدة في رسم شخصية معاوية الحليم الهادئ ، ذي القلب الكبير ، فهو يسمع ما يقال في علي ، ويرى مقدار حب أصحابه له ، وجرأتهم في تفضيله ، ولم يخرجه ذلك ولا مرة واحدة عن الهدوء والسماحة إلى الانفعال والغضب ، بل كان دائما يؤيد أقوالهن ، ويخرجن من مجلسه بوافر العطاء ، وجزيل المكافأة . يوحي عنوان الكتاب : « الوافدات من النساء من أهل البصرة والكوفة على معاوية » ، أنه يضم بين دفتيه أخبارا لنساء قدمن من البصرة والكوفة على معاوية . ولكن قارئ أخبار الكتاب يجد بين هؤلاء النساء من لا يعرف البصرة والكوفة مثل جروة بنت مرة التميمية التي استدعاها معاوية من مكة إلى المدينة لتخبره عن قومها من تميم « 1 » . ومثل دارمية الحجونية التي كانت تسكن الجحفة فاستدعاها إلى مكة في موسم الحج ، ولم يكن قصده من استدعائها على ما يبدو من خبرها - إن صح الخبر - إلا التسلية : « بعثت

--> ( 1 ) انظر ص 33 .