محمد حسين علي الصغير
91
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
الاصطلاحية على صنوف التعبيرات اللغوية ، حتى وإن أريد بها معناها الأصل ، لأن ذلك مما يشوه حقيقة البيان ، ودلالته البلاغية ، ومما يحمّل الكلام كثيرا مما لا تحتمل طاقته التي تنهض به إلى مستوى التعبير الأدبي ، فيعود ذلك تكلفا دون ضرورة إليه ، وتمحلا ، دون اتكاء البيان عليه ، والتمحل والتكلف وسواهما من التعسف أحيانا مما ترفضه سجية النصوص الأدبية الراقية لا سيما في القرآن العظيم . إلا أن ظاهرة هذا التكلف شائعة بين النحاة من جهة ، وبين جملة من المفسرين من جهة أخرى ، وقد تكون بينهما معا إذا كان المفسر نحويا أو النحوي مفسرا ، وهذا مما يؤسف الوقوع فيه ، والتمسك به ، لأنه قد يتعارض بشكل وآخر مع الخصائص الأسلوبية لمجاز القرآن . خذ مثلا قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ . . . « 1 » فقد ذهب بعض الأساتذة المعاصرين : أنهم قالوا أن فيه إطلاق الكل على البعض ، والمراد تعجبك وجوههم ، لأن الأجسام لا ترى كلها ، وإنما يرى الوجه فحسب ، ولا أرى تأويلا أبعد من هذا التأويل عن روح الآية ، فالجسم وإن كان لا يرى كله ، فمن المستطاع أن يدرك الإنسان بنظرة ما عليه الجسم من جمال يبعث على الإعجاب ، وقد لا تريد الآية : تعجبك وجوههم ، ولكنها تريد يعجبك ما عليه أجسامهم من ضخامة ، وما يبدو فيها من مظاهر النماء والقوة ، وما عليه وجوههم من جمال ونضرة « 2 » . هذه الملحوظة وما قاربها ، لا تخلو من وجه سديد فيما يبدو ، إذ لا معنى للتكلف المفرط الذي يخرج النص عن ذائقته الفطرية ، تصيدا لمعان قد لا تراد ، ووجوه قد لا تستحسن ، وعلاقات قد لا تستصوب . وقد تنبه أستاذنا المرحوم الدكتور أحمد عبد الستار الجواري إلى هذا المأخذ فعالجه وأشباهه معالجة فاحصة ، ونقده بأدب واتزان تأمين ، فمسّ النحاة والمفسرين مسا رقيقا ، وعاتبهم عتابا جميلا ، وهو في معرض الحديث عن هذه البادرة مضافة إلى الاستعمال القرآني الدقيق فقال : « ومن
--> ( 1 ) المنافقون : 4 . ( 2 ) أحمد أحمد بدوي ، من بلاغة القرآن : 224 .