محمد حسين علي الصغير

75

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ « 1 » أي : غير مزانين . وهذا إن كان الأمر كما ذكر ، فهو تعبير بالكناية المهذبة فقد ذكر المسافحة وأراد لازمها . 7 - التعبير بالمحل عن الحال لما بينهما من الملازمة الغالبة كالتعبير : باليد عن القدرة والاستيلاء ، والعين عن الإدراك ، والصدر عن القلب ، وبالقلب عن العقل ، وبالأفواه عن الألسن ، وبالألسن عن اللغات ، وبالقرية عن قاطنيها ، وبالساحة عن نازليها ، وبالنادي والندي عن أهلهما . وقد ورد كل ذلك في القرآن الكريم . وهذا كله قسيم بين المجازين اللغوي والعقلي في القرآن الكريم ، وهما جوهر المجاز القرآني . فالتعبير باليد عن القدرة والاستيلاء ، وبالعين عن الإدراك ، وبالصدر عن القلب ، وبالقلب عن العقل ، وبالأفواه عن الألسن ، وبالألسن عن اللغات ، كله من المجاز اللغوي المرسل ، باعتباره نقلا عن الأصل اللغوي بقرينة لإرادة المجاز ، مع بقاء المعنى اللغوي على ماهيته ، وإضافة المعنى الجديد إليه . والتعبير بالقرية عن قاطنيها ، وتوابع ذلك ، كله من المجاز العقلي ، فالقرية لا تسأل جدرانها بل سكانها ، فيكون التقدير أهل القرية ، وما استفيد هنا لم يكن بقرينة لفظية مقالية ، وإنما بقرينة معنوية حالية ، حكم بها العقل في الإسناد . 8 - التعبير بالإرادة عن المقاربة ، لأن من أراد شيئا قربت مواقعته إياه غالبا ، ومن ذلك قوله تعالى : فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ . . . « 2 » . وهذا من المجاز العقلي ، فليس الجدار كائنا مريدا ، ولا هو بقادر على هذا الفعل ، وقد أدركنا بالضرورة العقلية ، ومن سياق الإسناد الجملي ، أن المجاز هو الذي أشاع روح الإرادة في الجدار ، وكأنه يريد .

--> ( 1 ) النساء : 24 . المائدة : 5 . ( 2 ) الكهف : 77 .