محمد حسين علي الصغير

76

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

قال أبو عبيدة : « وليس للحائط إرادة ، ولا للموات ، ولكنه إذ كان في هذه الحال من ربّه فهو إرادته » « 1 » . 9 - التجوز بترك الكلام عن الغضب ، لأن الهجران وترك الكلام يلازمان الغضب غالبا ، ومنه قوله تعالى : وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ « 2 » . وهذا - واللّه العالم - تعبير بالكناية ، ولا علاقة له بالمجاز ، فعبّر بعدم الكلام عن الغضب والانتقام والمجازاة . 10 - التجوز بنفي النظر عن الإذلال والاحتقار ، كقوله تعالى : وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ « 3 » . وهذا من الكناية أيضا للتعبير عن ازدرائهم ، وعدم رضاه عنهم ، وليس للّه جارحة فينظر بها إليهم ، فهو بصير بغير عين ، وسميع بغير أذن ، وهو على العكس من قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ 22 إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ 23 « 4 » فهؤلاء قد أنعم اللّه عليهم بنضرة النعيم ، فنظروا إلى رحمته ورأفته ، وتطلعوا إلى حسن ثوابه ومجازاته ، وتوقعوا لطف عنايته ورعايته ، فكان ذلك نظرا إلى عظيم إحسانه ، وكريم أنعامه ، إذ ليس اللّه جسما ، أو قالبا ، أو مثالا ، حتى ينظروا إليه ، فعدم نظره تعالى إلى الكافرين متقارب من نظر المؤمنين إليه من جهة الكناية الهادفة . وقد يكون ذلك مجازا مرسلا بإضافة عدم العناية والرعاية ، وإرادة الاحتقار والإذلال ، معنى جديدا إلى عدم النظر ، وهو عكسه في الآيتين التاليتين . 11 - الحادي عشر : التجوز باليأس عن العلم ، لأن اليأس من نقيض العلوم ملازم للعلم غير منفك عنه ، كقوله تعالى :

--> ( 1 ) أبو عبيدة ، مجاز القرآن : 1 / 410 . ( 2 ) البقرة : 174 . ( 3 ) آل عمران : 77 . ( 4 ) القيامة : 22 - 23 .