محمد حسين علي الصغير
61
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
وتواجدها ، وتنقلها في تخطي حدودها الجغرافية إلى بقاع الأرض المختلفة ، والمجاز خير وسيلة للتعبير عن هذا الاتساع بما يضيفه من قرائن ، وبما يضيفه من علاقات لغوية مبتكرة ، توازن بين الألفاظ والمعاني في الشكل والمضمون ، وتلائم بين عمليتي الإبداع والتجديد في دلالة اللفظ الواحد للخروج في اللغة إلى ميدان أوسع . والتطلع بها نحو أفق رحيب . ولما كان القرآن العظيم أساس العربية ودستورها ، كان المجاز فيه أحد قسيمي الكلام ، وهما : الحقيقة والمجاز . وسنرصد في الصفحات التالية وقوعه في القرآن بشكل لا يقبل الشك استقراء ومجانسة وبيانا 2 - وقوع المجاز في القرآن ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي ، فالقرآن كتاب العربية الأكبر ، وهو ناموسها الأعظم ، يحرس لغتها من التدهور ، ويحفظ إمدادها من النضوب ، ويقوّم أودها من الانحطاط . وقد كان إعجازه البياني موردا متأصلا من موارد إعجازه الكلي ، وتفوقه البلاغي حقيقة ناصعة من تفوقه في الفن القولي ، وقد وقف العرب عاجزين أمام حسّه المجازي ، وبعده التشبيهي ، ورصده الاستعاري ، وتهذيبه الكنائي ، وأعجبوا أيما إعجاب بوضع ألفاظه من المعنى المراد حيث يشاء البيان السّمح ، والإرادة الاستعمالية المثلى ، تأنقا في العبارة ، وتحيزا للمعاني ، فلا غرابة أن يكون القرآن مصدرا للثروة البلاغية الكبرى عند العرب ، وأصلا لتفجير طاقات تلك البلاغة ، والمجاز منها عقدها الفريد . ولذلك يرى بعض البلاغيين : « إن المجاز هو علم البيان بأجمعه ، وأنه أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ، لأن العبارة المجازية تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال حتى أنه ليسمح بها البخيل ويشجع الجبان » « 1 » .
--> ( 1 ) أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 84 وانظر مصادره .