محمد حسين علي الصغير

62

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

ومن نافلة القول التوسع في بحث إمكان وقوع المجاز في القرآن دون طائل ، فقد ثبت وقوعه دون أدنى شك في كوكبة متناثرة من ألفاظه تعد في القمة من الاستعمال البياني . فقد رد عبد القاهر ( ت : 471 ه ) القول بحمل اللفظ على ظاهره في كل من قوله تعالى : أ - هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ « 1 » . ب - وَجاءَ رَبُّكَ « 2 » . ج - الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى 5 « 3 » . وأوجب أن يكون مجازا لا محالة لأن الإتيان والمجيء انتقال من مكان إلى مكان ، وصفة من صفات الأجسام ، وأن الاستواء إن حمل على ظاهره لم يصح إلا في جسم يشغل حيّزا ، ويأخذ مكانا ، واللّه عزّ وجلّ خالق الأماكن والأزمنة ، ومنشئ كل ما تصح عليه الحركة والنقلة والتمكن والسكون والانفصال والاتصال والمماسة والمحاذاة « 4 » . إن ما أوّله عبد القاهر في مقارنته بين معاني هذه الآيات الظاهرة ، ومعانيها الإيحائية الأخرى ، قد دلّه بالنظر العقلي مواطن الضرورة في القول بوقوع المجاز في القرآن ، وإلا وقعنا بالتجسيد تارة ، واصطدمنا بإشغال المكان بالنسبة إليه تارة أخرى ، وهذا باطل من الأساس في العقيدة ، كما أننا قد نقع في لبس وحيف عظيمين لو لم نقل بالمجاز ، ولنسبنا الظلم للّه تعالى دون دراية وبدراية بهذه النسبة المفتراة . انظر إلى قوله تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا 72 « 5 » .

--> ( 1 ) البقرة : 210 . ( 2 ) الفجر : 22 . ( 3 ) طه : 5 . ( 4 ) ظ : عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 362 . ( 5 ) الإسراء : 72 .