محمد حسين علي الصغير
60
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
فالجاحظ ( ت : 255 ه ) كمعاصريه يعبر عن الاستعارة والتشبيه والتمثيل جميعا بالمجاز ، ويبدو هذا جليا في أغلب استعمالات الجاحظ البيانية التي يطلق عليها اسم المجاز ، وهي عبارة عن مجموعة العناصر البلاغية في النّص الأدبي التي تكون المفهوم النقدي الحديث للصورة الفنية « 1 » . ولا يعتبر هذا رجوعا إلى الوراء في التماس حقائق الأشياء ، ولكنه إفادة موضوعية من القديم لرصد الجديد وتحقيقه ، لذلك فقد يلتبس الأمر بين المجاز والتشبيه والاستعارة ، ولكن التمييز الدقيق يقتضي الفصل والتفريق بين هذه الظواهر البيانية المتجاورة ، ويتم ذلك بالنظر إلى الكلام العربي عن كثب : أ - فإن أريد فيه التوسع مطلقا دون سواه فهو المجاز . ب - وإن أريد فيه التشبيه التام في ذكر المشبه والمشبه به وأداة التشبيه مع وجود وجه الشبه ، أو حذف أداة التشبيه مع ذكر وجه الشبه ، أو انعدام أوجه التشبيه من جهة وتوافقه من جهة أخرى مع ذكر أداة التشبيه ، أو حذفهما معا فهو التشبيه دون ريب . ج - وإن أريد التشبيه في ذكر الشبه وحذف المشبه به ، فهو الاستعارة « 2 » . إذن فالتحديد المانع هو الذي يقتضي الفصل بين هذه المتقاربات ، لأن في المجاز توسعا ونقلا وتجوزا في الألفاظ يختلف عما يراد في التشبيه والاستعارة . وعلى هذا فالمجاز حدث لغوي فضلا عن كونه عنصرا بلاغيا نابضا بالاستنارة والعطاء ، هذا الحديث يفسر لنا تطور اللغة العربية الفصحى بتطور دلالة ألفاظها على المعاني الجديدة ، والمعاني الجديدة في عملية ابتداعها لا يمكن إدراكها إلا بالتعبير عنها ، والتصوير اللفظي لها ، وذلك لا يتحدد بزمن أو بيئة أو إقليم ، وإنما هو متسع للعربية في أعصارها وأدوارها
--> ( 1 ) الجاحظ في استعمالاته لإطلاق المجاز ، الحيوان 5 : 23 - 34 . ( 2 ) ظ : المؤلف ، أصول البيان العربي : 40 .