محمد حسين علي الصغير

162

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

وفي الآية ( ب ) تجوز بالسؤال للقرية ، والمراد - واللّه أعلم - أهل القرية والساكنين فيها ، إذ لا يصح سؤال الأبنية والجدران بل الأهل والسكان . وفي الآية ( ج ) تجوز بإطلاق الأفواه لإرادة الألسن ، لأن القول لا يصدر إلا عن اللسان ، ولما كان موقع اللسان هو الفم ، عبّر بالأفواه تجوزا عن الألسن الحالّة فيه . وقد يرد المجاز اللغوي المرسل على عكس هذا الأمر ، فيما ذكر فيه لفظ الحال وأريد به المحل ، وذلك نحو قوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ 107 « 1 » . فقد تجوز بالرحمة وأراد بها الجنة ، لأن الخلود إنما يتم فيها ، ولما كانت الجنة محلا ومقاما للرحمة ، والرحمة حالّة بها ، عبر عنها بما هو حال فيها ، وهو الرحمة والمراد الجنة . وهكذا تجد علاقة المجاز اللغوي المرسل متعددة ، ووجوه ارتباطاته متشابكة ، واكتفينا بهذا القدر الجامع في الإيراد ، عما توسع به البلاغيون من الأصناف . السبب في هذا أن البلاغيين قد أغاروا في جملة من الأصناف على علم المعاني كما نذهب إليه جزء لا يتجزأ من علم النحو العربي ، أهمل النحاة جانبه ، فأكد البلاغيون التقليديون صلته بالبلاغة « 2 » . على أن في المعاني لمسات بلاغية ، وشذرات بيانية ، ولكن رأينا أنه بالنحو ألصق . فإذا رأينا جملة من البلاغيين قد بحثوا المجاز اللغوي المرسل ، وعددوا أصنافه ، أشتاتا من مفردات علم المعاني ، فهذا ما لا يتفق مع منهجنا . لقد أطنب الزركشي ( ت : 794 ه ) في ذكر جملة من الأصناف

--> ( 1 ) آل عمران : 107 . ( 2 ) ظ : المؤلف ، علم المعاني بين الأصل النحوي والموروث البلاغي .