محمد حسين علي الصغير
156
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
حقيقيا ، فكشف علاقة كل مجاز هو دليل مجازية التعبير ، ولو لم تدرك العلاقة ، لما صح لنا التعبير عن هذا وذاك بالمجاز . ففي قوله تعالى : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا 2 « 1 » وقوله تعالى : لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً « 2 » ندرك - واللّه العالم - أن القيام في هذين الموضعين بحسب العلاقة والعائدية التعبيرية : هو الصلاة ، كما هو منظور إليه في الاستعمال القرآني عند إطلاق لفظ القيام في مثل هذا المقام ، لا القيام في مقابل القعود ، ولا القيام بمعنى الإقامة ، إن دلالة الكلمة هنا تعطي معنى : صلّ ، والعلاقة في ذلك كون القيام ركنا أساسيا ، وجزءا مهما في الصلاة ، فعبّر به لهذا الملحظ . وفي قوله تعالى : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ . . . « 3 » وقوله تعالى : هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 4 » ، يبدو أن المراد بالوجه هنا الذات القدسية للّه عزّ وجلّ ، وإلا فليس للّه وجه بالمعنى الحقيقي على جهة التجسيم والمكان والإحلال والعينية والمشاهدة ، ولما كان الوجه هو ذلك الجزء الذي لا يستغنى عنه في الدلالة على كل ذات ، عبر به هنا عن الذات الإلهية مجازا على طريقة العرب في الاستعمال بإطلاق اسم الجزء وإرادة الكل . وإن كان الأمر بالنسبة لقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ 2 عامِلَةٌ ناصِبَةٌ 3 « 5 » إذ المراد بذلك أجساد هؤلاء بقرينة العمل والنصب الذي تؤدي ضريبته الأجساد بتمامها ، لا الوجوه وحدها ، وإنما عبر عنها بالوجوه باعتبارها جزءا من الأجساد ودالا عليها . وفي قوله تعالى : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ « 6 » فإن المراد هو تحرير
--> ( 1 ) المزمل : 2 . ( 2 ) التوبة : 108 . ( 3 ) الرحمن : 27 . ( 4 ) القصص : 88 . ( 5 ) الغاشية : 2 - 3 . ( 6 ) النساء : 92 .