محمد حسين علي الصغير

149

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

سبحانه يضل عن الإيمان ، وقد قامت الدلائل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك لأنه قبيح ، وهو غني عنه ، وعالم باستغنائه عنه ، ولأنه تعالى أمرنا بالأيمان وحببنا إليه ، ونهانا عن الكفر وحذرنا منه ، فوجب ألا يضلنا عما أمرنا به ، ولا يقودنا إلى ما نهانا عنه ، وإذا لم يكن ذلك محمولا على ظاهره ، فاحتجنا إلى تأويله في الوجوه التي قدمنا ذكرها ، فهو متشابه ، لأن موقفه من صفة المتشابه ألا يقتبس علمه من ظاهره وفحواه ، فوجب رده إلى ما ورده من المحكم في هذا المعنى ، وهو قوله تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ « 1 » . قال الشريف الرضي « فعلمنا أن الزيغ الأول كان منهم ، وأن الزيغ الثاني كان من اللّه سبحانه على سبيل العقوبة لهم ، وعلمنا أيضا أن الزيغ الأول غير الزيغ الثاني ، وأن الأول قبيح إذ كان معصية ، والثاني حسن إذ كان جزاء وعقوبة ، ولو كان الأول هو الثاني لم يكن للكلام فائدة ، وكان تقديره : فلما مالوا عن الهدى أملناهم عن الهدى ، فكان خلفا من القول يتعالى اللّه عنه ، لأن الكفر الذي حصل في الكفار الذين وصفهم سبحانه بميلهم عن الأيمان ، وإزاغته تعالى لهم إنما كانت عن طريق الجنة والثواب ، وأيضا فإن هذا الفعل لما كان من اللّه سبحانه على سبيل العقوبة لهم ، علمنا أنه من غير جنس الذي فعلوه ، لأن العقوبة لا تكون من جنس المعصية إذ كانت المعصية قبيحة ، والعقوبة عليها حسنة » « 2 » . فالشريف الرضي في رده المتشابه إلى المحكم ، قد حمل معنى الإزاغة اتساعا على معنى الجزاء والعقوبة كما هي الحال في قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ « 3 » . وكقوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . . . « 4 » .

--> ( 1 ) الصف : 5 . ( 2 ) الشريف الرضي ، حقائق التأويل : 5 / 23 وما بعدها . ( 3 ) البقرة : 194 . ( 4 ) الشورى : 40 .