محمد حسين علي الصغير

150

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

فقد أطلق الاعتداء على ظاهره ، وأريد به الجزاء والعقوبة في واقعه ، إذ ليس الجزاء اعتداء ، وقد عبر عن المقاصة بالسيئة ، وليس ذلك سيئة ، ولكنه سبب منها ، فأطلقت عليه ، وكذلك معنى الإزاغة هاهنا فيما حمله عليه الشريف الرضي ، فاعتبر الزيغ الأول غير الزيغ الثاني ، فالأول زيغ عن الإيمان ، والثاني العقوبة على الميل ، والانحراف عن الهدى إلى الضلال ، فهو ليس من جنسه ، وإنما سمي كذلك مجازا ، وهو يعقب على ذلك ، ويدافع عن وجهة نظره فنيا فيقول : « وبعد فإنه سبحانه لم يذكر في هذه الآية أنه ابتدأ بأن أزاغ قلوبهم ، بل قال : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ . « 1 » فأخبر تعالى أنه إنما فعل ذلك بهم عقوبة على زيغهم ، وجزاء على فعلهم ، فمنعهم الألطاف والفوائد التي يؤتيها سبحانه من آمن به ، ووقف عند حدّه ، وخلّاهم واختيارهم ، وأخلاهم من زيادة الهدى التي ذكر سبحانه في كتابه فقال : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ 17 « 2 » . فأضاف سبحانه الفعل بالإزاغة إلى نفسه ، على اتساع مناهج اللغة في إضافة الفعل إلى الأمر ، وإن وقع مخالفا لأمره ، لما كان وقوعه مقابلا لأمره ، ويكشف عن ذلك قوله تعالى : إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ 109 فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ 110 « 3 » . وهؤلاء الفريق عباد اللّه لم ينسوا الفريق الآخر ذكر اللّه ، وكيف يكون وهم يحادثون أسماعهم وقلوبهم بذكره سبحانه وعظا وتخويفا ، وتنبيها وتحذيرا ، ولكنهم لما اتخذوهم سخريا ، وأقاموا على سيّئ أفعالهم وذميم اختيارهم ، أنسوهم ذكر اللّه ، فأضيف الإنساء إلى ذلك الفريق من عباد اللّه ، إذ كان نسيان من نسي ذكر اللّه سبحانه إنما وقع في مقابلة تذكيرهم به ، وتخويفهم منه ، ودعائهم إليه ، فحسنت الإضافة على الأصل الذي قدمناه . وأقول : إنه قد جاء الاتساع في اللغة بالزيادة على هذه المرتبة التي

--> ( 1 ) الصف : 5 . ( 2 ) محمد : 17 . ( 3 ) المؤمنون : 109 - 110 .