محمد حسين علي الصغير
148
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
سبحانه إلا على سبيل المجاز والاتساع ، لأن اللّه تعالى لا يضل عن الأيمان ، ولا يوقع في الضلالة والكفران ، والنظر في هذا ملحوظ بعين القبح العقلي . وقد نصت الآية الثانية : أن اللّه تعالى يزيغ من زاغ ، ونسبته إليه ظاهرة . حقا إن الاتساع في المجاز هو الذي يتجاوز هذه العقبات بيسر ، ويدرأ هذه الشبهات بمرونة . فقد ذهب بعضهم في معنى ذلك أنه دعاء إلى اللّه وتوجه إليه بأن : ثبتنا بألطافك ، وزد من عصمك وتوفيقك ، كي لا نزيغ بعد إذ هديتنا ، فنكون زائغين في حكمك ، ونستحق أن تسمينا بالزيغ وتدعونا به وتنسبنا إليه ، لأنه لا يجوز أن يقال : إن اللّه سبحانه أزاغهم إذ سماهم بالزيغ ، وإن كانوا هم الفاعلين له ، على مجاز اللغة ، لا أنه تعالى أدخلهم في الزيغ ، وقادهم إلى الاعوجاج والميل ، ولكنهم لما زاغوا عن أوامره ، وعندوا ما فرض اللّه من فرائضه ، جاز أن يقال : قد أزاغهم كما قال سبحانه بالنسبة للسورة فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ 125 « 1 » وفيما اقتصه عن نوح عليه السّلام فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً 6 « 2 » أو يكون لما منعهم ألطافه وفوائده جاز أن يقال : أنه أزاغهم مجازا ، وإن كان تعالى لم يرد إزاغتهم « 3 » . ولقد وقف الشريف الرضي ( ت : 406 ه ) من هذه المدارك موقف الناقد الخبير ، والفاحص الرائد ، فأورد جملة من آراء العلماء في ذلك ، وأفاض برأيه بعد إيرادها ، وحملها على الاتساع في اللغة ، والمجاز من القول ، ورد المتشابه من الآي إلى المحكم منها ، وذهب في هذه الآية أن لا يكون معناها محمولا على ظاهره ، لأنه يقودنا إلى أن نقول : إن اللّه
--> ( 1 ) التوبة : 125 . ( 2 ) نوح : 6 . ( 3 ) ظ : الشريف الرضي ، حقائق التأويل : 5 / 19 .