محمد حسين علي الصغير
126
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
أ - قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي « 1 » . لقد عبر سبحانه وتعالى عن إرادته في الكينونة المطلقة ، على سبيل المجاز ب « قيل » وإنما هي أمر كائن لا محالة ، وكانت قرينة هذا المجاز خطاب من لا يعقل ، وهو الجماد الذي لا يخاطب « يا أرض » و « يا سماء » إذ هو ليس مما يعي الخطاب ، أو يدرك الأمثال ، فكان ذلك قرينة لفظية في دلالة هذا المجاز العقلي . ولك أن تقول أن اللّه قادر على أن يخاطب الجماد ، ويجيب ذلك الجماد ، فيكون ذلك على سبيل الحقيقة ، وحتى لو حصل هذا على سبيل الإعجاز ، فلا مانع منه ، ويبقى المدرك مجازيا لأنه في العموم خطاب لمن لا يعقل ولا يجيب ولا يسمع ولا يتكلم ، وإن سمع وأجاب وامتثل على سبيل الإعجاز . ب - وفي قوله تعالى : فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً « 2 » . يتجلى المجاز العقلي مستشرفا إذ الجدار ليس كائنا ذا إرادة ، ولا هو بمريد شأن من يريد في الفعل أو الترك ، ولكنه البعد المجازي الذي وهب الحياة للجماد ، وأشاع الحسّ في الكائنات ، وكذلك التعبير الموحي الذي أضفى صفة من يصدر عنه الفعل على من لا يصدر عنه الفعل ، وحقيقة من يريد على من لا يريد في الأصل . وكانت قرينة هذا المجاز إرادة هذا الجماد وهو لا يريد . وتلك طريقة العرب المثلى في هذا المنظار ، وأنشدوا للحارثي : « 3 » يردّ الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل فإرادة الرمح ورغبته هنا كإرادة الجدار في الآية سواء بسواء . قال أبو عبيدة : « وليس للحائط إرادة ، ولا للموات ، ولكنه إذا كان
--> ( 1 ) هود : 44 . ( 2 ) الكهف : 77 . ( 3 ) ظ : أبو عبيدة ، مجاز القرآن : 1 / 410 ، ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 133 .