محمد حسين علي الصغير

127

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

في هذه الحال من ربه فهو إرادته » « 1 » . وأنشد أبو زكريا الفراء « 2 » : إن دهرا يلف شملي بسلمى * لزمان يهم بالإحسان فأنت ترى في هذه النماذج الإرادة والرغبة للرمح ، والهم بالإحسان للزمان ، كما شاهدت في الآية إرادة الجدار . ولم تخرج هذه الألفاظ جميعها عن حقيقتها الأولى في اللغة ، ولكنها خرجت إلى المجاز في الإسناد ، والقرينة فيها جميعا هي التي أفادت مجازا عقليا دلت عليه قرينة مقالية ، لأن الجدار في واقع الحال لا يريد ، والرمح لا يريد ولا يرغب ، والزمان لا يهم بالإحسان واقعا ، وإن همّ به مجازا . ج - وفي هذا السياق يجب أن نلاحظ ما لاحظه ابن قتيبة ( ت : 276 ه ) من ذي قبل ، من أن هذه الأفعال ونظائرها - ونعني بها أفعال المجاز كما في الأمثلة السابقة - أفعال لا تخرج منها المصادر ، ولا تؤكد بالتكرار ، فلا تقول : أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة ، فليس هذا من كلام العرب ، فإذا جاء التوكيد بالمصدر علمت أن ذلك مبني على الحقيقة ، واللّه تعالى يقول : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ( 164 ) « 3 » فوكد بالمصدر معنى الكلام ، ونفى عنه المجاز . وقال ( تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) « 4 » فوكد القول بالتكرار ، ووكد المعنى بأنما ، فكان ذلك على سبيل الحقيقة لا المجاز « 5 » . وهكذا الحال فيما سبق مما أنشدوا ، فلا يقال : « أراد الرمح صدر أبي براء إرادة قوية ، ولا همّ الزمان بالإحسان هما مؤكدا . * * *

--> ( 1 ) أبو عبيدة ، مجاز القرآن : 1 / 410 . ( 2 ) ظ : العسكري ، كتاب الصناعتين : 212 ، والبيت غير منسوب . ( 3 ) النساء : 164 . ( 4 ) النحل : 40 . ( 5 ) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 111 .