محمد حسين علي الصغير
119
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
الثاني في التطبيق : ووفق هذا الفهم للمجاز العقلي عند عبد القاهر تجد الزمخشري ( ت : 538 ه ) يخرج المعنى الكامل ، مخرج المجاز في قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( / 29 / / 41 « 1 » . فقد حملها على الإرادة المجازية في النظر العقلي ، ناظرا التركيب الجملي دون اللفظ المفرد ، من خلال تشخيص عبد القاهر للمجاز العقلي ، فيتحدث عن الآية ويقول : « أخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز ، فكأنه قال : وإن أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون » « 2 » . وما دام عبد القاهر هو السبّاق لتشخيص المجاز العقلي ، وما دام غيره ، لم يزد عليه شيئا ، فسيكون حديثنا منصبا حول ما أبدعه في هذا المضمار بالدرجة الأولى . فلقد حقق عبد القاهر في المجاز الحكمي عنده ، والعقلي عنده وعند من بعده ، ورأى أن وراء الكناية والاستعارة في البيان مجازا آخر غير المجاز اللغوي ، وهو المجاز الحكمي المستفاد من طريق العقل لدى استقراء الجمل في التركيب ، والنظر في مجموعة المفردات المكونة للكلام ، فهو يقول : « واعلم أن طريق المجاز والاتساع . . إنك ذكرت الكلمة وأنت لا تريد معناها ، ولكن تريد معنى ما هو ردف له أو شبيه ، فتجوزت بذلك في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه . وإذ قد عرفت ذلك فاعلم أن الكلام مجازا على غير هذا السبيل . وهو : أن يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة فقط ، وتكون الكلمة
--> ( 1 ) العنكبوت : 41 . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف : 3 / 455 .