محمد حسين علي الصغير

120

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

متروكة على ظاهرها ، ويكون معناها مقصودا في نفسه ، ومرادا من غير تورية ولا تعريض . والمثال فيه قولهم : نهارك صائم وليلك قائم ، ونام ليلي ، وتجلى همي ، وقوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ / 2 / / 16 « 1 » . وقول الفرزدق : سقاها خروق في المسامع لم تكن * علاطا ولا مخبوطة في الملاغم وقد عقب على هذه النماذج بقوله : « أنت ترى مجازا في هذا كله ، ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الألفاظ ، ولكن في أحكام أجريت عليها ، أفلا ترى أنك لم تتجوز في قولك : « نهارك صائم وليلك قائم » في نفس « صائم » و « قائم » ولكن في أن أجريتهما خبرين عن الليل والنهار ، كذلك ليس المجاز في الآية في لفظة « ربحت » نفسها ، ولكن في إسنادها إلى التجارة . وهكذا الحكم في قوله : سقاها خروق ، ليس التجوز في نفس « سقاها » ولكن في أن أسندها إلى الخروق . أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته ؟ فلم يرد بصائم غير الصوم ، ولا بقائم غير القيام ، ولا بربحت غير الربح ، ولا بسقت غير السقي . . » « 2 » . فتشخيص المجاز العقلي إنما يتم بمعرفة الأحكام التي أجريت على الألفاظ في إسناد بعضها لبعض ، والألفاظ بذاتها محمولة على ظاهرها لا تجوز فيها ، واكتشف المجاز العقلي لدى اقترانها ، وكان طريق ذلك العقل في حكمه على النصوص ، إذا كان المجاز واقعا ومتحققا في الإثبات ، وهو ما تبحثه الصفحات الآتية : 2 - المجاز العقلي في القرآن بين الإثبات والإسناد بعد وضع اللمسات الأولية على تشخيص المجاز العقلي في القرآن ،

--> ( 1 ) البقرة : 16 . ( 2 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الاعجاز : 193 .