محمد حسين علي الصغير
102
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ 7 تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ 8 . . . « 1 » ، أو شدة ناطقة فاعلة كقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ 1 يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ 2 . . . « 2 » وليست جهنم كائنا متكلما فتقول ، وتستمع وتجيب ، وإن كان ذلك غير بعيد إعجازا . وليست النار جسما مريدا وفاعلا فنستمع لشهيقها أو هي تفور ، أو تتميز من الغيظ . وليس في القيامة إرضاع حتى تذهل المرضعة عن رضيعها ، وليس هنالك وضع وولادة وإنجاب ، حتى تضع كل ذات حمل حملها . إن التعبير بالمجاز بمعناه العام هو الذي صور هذه الأحداث بهذه الصور المثيرة ، وأبانها بهذه الهيأة الناطقة ، وسيّرها بهذه الإرادة التامة ، تنبيها للضمائر ، وتوجيها للعقول ، وتأثيرا على النفوس حتى تستعد لذلك اليوم الذي تنطق فيه جهنم ، وتفور فيه النار حتى يسمع شهيقها ، وحتى لتكاد تتقد من الغيظ وتنشق ، ذلك اليوم الذي لو أرضعت فيه المرضعة لذهلت عن رضيعها ، ولو توافرت فيه ذوات الأحمال لوضع أحمالها . إذن هذه خصائص نفسية يحملها المجاز القرآني ويحتضنها تعبيره الفريد من أجل الإنسان . دربة منه على الحذر والاستعداد والتهيؤ التام . ج - وما يقال في ملحظ النطق والقول والقوة بالنسبة للنار يقال عينه بالنسبة للإيحاء إلى الأرض في قوله تعالى : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها 5 « 3 » . والقضية تصور في مدرك عقلي محض ، فالوحي الإلهي هو الفعل الذي يكشف به اللّه للإنسان عن الحقائق التي تجاوز نطاق عقله « 4 » .
--> ( 1 ) الملك : 7 - 8 . ( 2 ) الحج : 1 - 2 . ( 3 ) الزلزلة : 5 . ( 4 ) ظ : د . جميل صليبا ، المعجم الفلسفي : 2 / 570 .