محمد حسين علي الصغير

103

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

وإذا كان الوحي فعلا متميزا ، فهو صادر عن فاعل مريد ، وهذا الفاعل المريد هو اللّه تعالى ، إلى متلق ممتثل ، فتعلقه في الأرض إذن تعلّق مجازي ، إذ طريق الوحي هو التلقي ، والأرض غير قابلة للتلقي . لهذا فالإيحاء في الآية عند الزمخشري مجاز لا يستثني بهذا شيئا قال : « أوحى لها بمعنى أوحى إليها ، وهو مجاز كقوله تعالى : ( أن نقول له كن فيكون ) وكقول الشاعر : أوحى لها القرار فاستقرت « 1 » . وأصل الوحي هو : الإشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض وما مجرى الإيماء والتنبيه على الشيء من غير أن يفصح به « 2 » . وقد يكون أصل الوحي في اللغة كلها الإعلام في خفاء « 3 » . ومؤدى ذلك واحد ، إذ الإشارة السريعة إعلام عن طريق الرمز ، والرمز إيماء يستفيد منه المتلقي أمرا إعلاميا قد يخفى على الآخرين « 4 » . ولهذا فقد كان الراغب دقيقا حينما عرض لمصطلح الوحي وقسمه فيما تنبه إليه بين القابل له والمستعصي عليه ، إلا أن يكون ذلك تسخيرا من قبل اللّه تعالى ، فقال : « فإن كان الموحى إليه حيا فهو إلهام ، وإن كان جمادا فهو تسخير » « 5 » . لهذا فقد ذهب الطبرسي ( ت : 548 ه ) إلى أن أوحى لها : أي ألهمها وعرفها بأن تحدث أخبارها . . من جهة تخفى « 6 » . والسياق إنما يقوم على قوة هذه الفاعلية في تصوير هول الموقف الذي يدهش له الإنسان فيقول في عجب وقلق ما لها ؟ فاقتضى أن يأتيه

--> ( 1 ) ظ : الزمخشري ، الكشاف : 4 / 276 . ( 2 ) قارن بين ذلك في : الراغب ، المفردات : 515 . الطبرسي ، مجمع البيان : 5 / 37 . ( 3 ) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : 20 / 258 . ( 4 ) ظ : المؤلف ، ظاهرة الوحي والمستشرقون . « بحث » في كتاب : ( المستشرقون وموقفهم من التراث العربي الإسلامي ) وقائع المؤتمر العلمي الأول لكلية الفقه : مطبعة القضاء ، النجف ، 1986 م . ( 5 ) الراغب ، المفردات : 515 . ( 6 ) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان : 5 / 526 .