محمد حسين علي الصغير

100

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

الحقيقي ، فقد أسند عصف الريح إلى اليوم ، وهو دال على زمان من الأزمان ، ولا تستند إليه الفاعلية حقيقة إلا على نحو المجاز ، وهو كذلك ، وهذا أيضا مما نظر فيه إلى النفس ليخلص اتجاهها في تصور شدة ذلك اليوم ، وعصف ذلك اليوم ، وحديث ذلك اليوم ، دون التفكير في الهوامش والجوانب الفائضة ، فكأن المراد هو اليوم فنسب إليه العصف ، فأقام اليوم مقام المضاف المحذوف في التقدير اللغوي الأصل ، فهو يوم ذو عصف ، إن صح ما تأولوه . وقد يكون هذا الإدراك على سبيل التعبير عن شدة الأمر ، وقيام العصف على أشده في ذلك اليوم ، مما يهم الإنسان ، فارتبط الحدث به نفسيا ، فأسند إليه الفعل كما هي الحال في قوله تعالى : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً 17 « 1 » . يقول الدكتور أحمد بدوي معلّلا هذه النسبة نفسيا : « ولما كان يوم القيامة تملؤه أحداث مرعبة ، تملأ النفوس هولا يتسبب عنها لشدتها الشيب ، وكان هذا اليوم ظرفا لتلك الأحداث ، صح أن يسند الشيب إليه » « 2 » . 2 - وإذ يوصلنا إلى يوم القيامة ، فإن التعبير المجازي عن هذا اليوم يزداد جلاء ، فيعكس الحدث مقترنا بذلك اليوم ، ومنسوبا إلى عوالمه الصامتة ، وإذا بها ناطقة تتكلم ، ومفصحة تعرب عما في الدخائل ، ويتجلى هذا في كل من قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها 4 « 3 » . والضمير عائد إلى متقدم لفظا ورتبة كما يقول النحاة ، وتقدير الكلام عندهم : تحدث الأرض أخبارها ، والحقيقة اللغوية أن يتحدث ذو النطق بآلته ، وذو اللسان بأداته ، لا الجماد بعجمته ، فهل هو تمثيل يعني : أن ما

--> ( 1 ) المزمل : 17 . ( 2 ) أحمد أحمد بدوي ، من بلاغة القرآن : 223 . ( 3 ) الزلزلة : 4 .