الشيخ السبحاني

76

مفاهيم القرآن

قلت : الجواب محذوف ، لأجل الوجازة ، وهو قوله « خمدت » . فإن قلت : فعلى هذا فبم يتعلّق قوله : « ذهب اللَّه بنورهم » ؟ قلت : هو كلام مستأنف راجع إلى بيان حال الممثل ، وتقدير الكلام هكذا : فلَمّا أَضاءَت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام متحيرين متحسرين على فوات الضوء ، خائبين بعد الكدح من إيقاد النار . فحال المنافقين كحال هؤلاء ، أشعلوا ناراً ليستضيئوا بنورها لكن « ذَهَب اللَّه بنورهم وتَرَكَهُمْ في ظُلمات لا يُبصرون » . وبكلمة موجزة : ما ذكرنا من الجمل هو المفهوم من الآية ، والإيجاز بلا تعقيد من شؤون البلاغة . « 1 » فقوله سبحانه : « ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ » بمعنى أنّ ذلك كان نتيجة نفاقهم وتمرّدهم وبالتالي تبدّد قابليتهم للاهتداء بنور الحقّ « فَتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُون » أيفي أهوائهم وسوء اختيارهم يتخبّطون في ظلمات الضلال ، لا يبصرون طريق الحقّ والرشاد . ترى أن‌ّالتمثيل يحتوي على معاني عالية وكثيرة بعبارات موجزة ، ولو حاول القرآن أن يبيّن تلك المعاني عن غير طريق التمثيل يلزم عليه بسط الكلام كما بسطناه ، وهذا من فوائد المثل ، حيث يؤدي معاني كثيرة بعبارات موجزة . ثمّ إنّه سبحانه يصفهم بأنّهم لما عطّلوا آذانهم فهم صمّ ، وعطّلوا ألسنتهم فهم بكم ، وعطّلوا عيونهم فهم عمي ، وقال : « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُون » . والمراد من التعطيل أنّهم لم يكونوا ينتفعون بهذه الأدوات التي بها تعرف

--> ( 1 ) لاحظ الكشاف : 1 / 153 .