الشيخ السبحاني

337

مفاهيم القرآن

حطام الدنيا ، فهذا النوع من الأعمال لا يمكن الشهادة عليها حتى بنفس الحضور عند المشهود عليه ؟ وهذا يدفعنا إلى القول بأنّ لشهداء الأعمال عامة والنبي الخاتم خاصة قدرة غيبية خارقة يطّلع من خلالها على أعمال العباد ظاهرها وباطنها وذلك بقدرة من اللَّه سبحانه ، وعلى ذلك فهذه الشهادة عبارة عن الاطلاع على أعمال الناس في الدنيا من سعادة أو شقاء ، وانقياد وتمرّد ، وإيمان وكفر ، وأداء ذلك في الآخرة يوم يستشهد اللَّه من كلّ شيء حتى من أعضاء الإنسان ، وعند ذلك يقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقول : « يا رَبِّ إِنَّ قَوْمي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرآن مَهْجُوراً » . فإذا كانت الشهادة بهذا المعنى فلا ينالها إلّا الأمثل فالأمثل من الأُمّة ، لا الأُمة بأسرها ، وعلى ضوء ذلك فيكون المراد من قوله سبحانه : « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَعَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً » « 1 » هم الكاملين من الأُمّة لا المتوسطين وما دونهم . وأمّا نسبة الشهادة إلى قاطبة أُمّة النبي ، في قوله تعالى : « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسطاً » فليس بشيء بديع ، إذ ربّما يكون الوصف لبعض الأُمّة وينسب الحكم إلى جميعهم ، كما في قوله سبحانه في حقّ بني إسرائيل : « وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً » على الرغم من أنّ الملوك فيهم لم يكن يتجاوز عددهم عدد الأصابع . وثمة حديث منقول عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى : « لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً » يؤيد هذا المعنى « الشهادة للأمثل » : « فإن ظننت أن‌ّاللَّه عني بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحدين ، أفترى ان‌ّمن لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب اللَّه شهادته يوم القيامة ،

--> ( 1 ) البقرة : 143 .