الشيخ السبحاني

66

مفاهيم القرآن

وبذلك اطمئنّ قلب إبراهيم واذعن بأنّه سبحانه له القدرة على إعادة أجزاء بدن الميت وإن اختلطت أجزاؤه بأجزاء ميت آخر . وان‌ّاختلاط أجزاء الموتى أو ضلالتها في الأرض لا يمنع من الإعادة ، قال سبحانه : « قَدْعَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأَرضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفيظ » . « 1 » ومن غريب التفسير ما ذكره صاحب المنار حيث قال في معنى الآية ما حاصله : خذ أربعة من الطير فضُمَّها إليك ، وآنسها بك ، حتى تأنس وتصير بحيث تجيب دعوتك ، فإنّ الطيور من أشدّ الحيوانات استعداداً لذلك ، ثمّ اجعل كلّ واحد منها على جبل ثمّ ادعها ، فانّها تسرع إليك من غير أن يمنعها تفرق أمكنتها وبعدها ، كذلك أمر ربّك إذا أراد إحياء الموتى ، يدعوهم بكلمة التكوين : « كونوا أحياء » فيكونوا أحياء كما كان شأنه في بدء الخلقة ، إذ قال للسماوات والأرض : « ائْتيا طَوعاً أَوْ كرهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعين » . « 2 » قال : والدليل على ذلك من الآية ، قوله تعالى : « فَصُرْهُنّ » فانّ معنى « أملهنّ » أيأوجد ميلًا بها ، وآنسها بك ، ويشهد به تعديته بإلى ، فإنّ صار إذا تعدى بإلى كان بمعنى الأمالة . « 3 » ما ذكره من التفسير بعيد عن الصواب لوجوه : الوجه الأوّل : انّ إبراهيم كان بصدد الوصول إلى معرفة تامة بحقيقة إحياء الموتى ، وطلب من اللَّه سبحانه أن يرى الإحياء بأُم عينه ويشاهده عن كثب ، فلم يكن تشبيه الإحياء والتمثيل له يجدي نفعاً ، كأن يشبه دعوة إبراهيم الطيور ومجيئهن إليه ، بدعوة اللَّه سبحانه الموتى ومجيئهم إليه .

--> ( 1 ) . ق : 4 . ( 2 ) . فصلت : 11 . ( 3 ) . تفسير المنار : 3 / 55 - 58 ، وذكر وجوهاً في دعم هذه النظرية التي نقلها عن أبي مسلم وقد استحسنها في آخر كلامه ، وقال : « وللَّه در أبي مسلم ما أدقّ فهمه وأشدَّ استقلاله فيه » .