الشيخ السبحاني
67
مفاهيم القرآن
الوجه الثاني : لو كان المراد ما ذكره ، لكان اللازم أن يقول : « ثمّ اجعل على كلّجبل منهنَّ واحداً » بدل أن يقول : « ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزءاً » . الوجه الثالث : انّ لفظة « فصرهنَّ » إمّا من « صيّر » بمعنى الميل والأُنس ، فعندئذٍيكون الأمر بالقطع مقدراً ، فكأنّه يقول : « أملهنَّ إليك ثمّ اقطعهنَّ » . أو من « صرى » بمعنى القطع ، فعندئذٍ تكون متضمنة معنى الميل ، فكأنّه يقول : اقطعهنّمتمايلات إليك ، كتمايل كلّطير إلى صاحبه . وعلى كلّ حال فالآية تدل صراحة على أنّ إبراهيم قطعهنّ وخلط أجزاءهنّ ، ثمّ فرقها على الجبال ، ثمّ دعاهنّ ، فأتينّه سعياً . 2 . إحياء نفس عزير « 1 » يحكي الذكر الحكيم انّ رجلًا صالحاً مرّعلى قرية خاوية وقد سقطت سقوفها فتساءل في نفسه كيف يحيي اللَّه أهلها بعد ما ماتوا ؟ ولم يقل ذلك إنكاراً ولا ارتياباً ، بل أحبَّ أن يريه اللَّه إحياءها مشاهدة مثل قول إبراهيم ، فأماته اللَّه مائة سنة ثمّ أحياه ، فسمع نداءً « كم لبثت » فقال : « لَبِثْتُ يَوماً أَوْ بَعْض يَوم » لأنّاللَّه أماته في أوّل النهار وأحياه بعد - مائة سنة - في آخر النهار ، فقال : « يوماً » ثم التفت فرأى بقية من الشمس ، فقال : « أَو بَعْض يوم » فوافاه النداء : « بَلْلَبِثْتَ مائة سنة » فانظر إلى طعامك وشرابك لم تغيره السنون ، ثمّ أمر بأن ينظر إلى حماره كيف تفرقت أجزاؤه وتبدّدت عظامه ، فجعل اللَّه سبحانه إحياءه آية للناس وحجّة في البعث . ثمّ جمع اللَّه عظام حماره وكساها لحماً وأحياه . يقول سبحانه : « أَوْ كَالّذي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قال أَنّى
--> ( 1 ) . المعروف انّ المحيى هو عزير ، ولكن ليس في الآية دليل عليه ، وما يدل عليه هو انّ السائل كان رجلًا صالحاً ، وأمّا انّه هو عزير فلا نقطع به .