الشيخ السبحاني

125

مفاهيم القرآن

الشبهة السادسة : المعاد العنصري وظواهر الآيات إنّ ظواهر بعض الآيات وإن كانت تنسجم مع المعاد الجسماني ، غير أنّ ثمة آيات أُخرى لا تنسجم مع كون المعاد هو البدن العنصري السابق ، وذلك لأنّه سبحانه يستخدم لفظة « أنشأ » و « مثل » ، ومن الواضح أنّ الإنشاء عبارة عن الإيجاد بلا مثال سابق ، كما أن‌ّلفظة « مثل » تحكي عن كون المعاد ليس نفس المنشأ أوّلًا ، بل مثله ، قال سبحانه : « نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوت وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِأَكُمْ فِيما لا تَعْلَمُون » « 1 » ، وقال عزّمن قائل : « نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدَنا أَسْرهُمْ وَاذا شِئْنا بَدَّلنا أمثالَهم تبديلًا » . « 2 » قال صدر المتألّهين بعد تفسير الآيات : ولا يخفى على ذي بصيرة أنّ النشأة الثانية طور آخر من الوجود يباين هذا الطور المخلوق من التراب والماء والطين ، وانّ الموت والبعث ابتداء حركة الرجوع إلى اللَّه أو القرب منه لا العود إلى الخلقة المادية والبدن الترابي الكثيف الظلماني . « 3 » والجواب : انّ مادة الإنشاء كما تستعمل في الإيجاد بلا مثال تستعمل في مطلق الإيجاد أيضاً ، وإن كان له مثال سابق ، قال سبحانه : « هُوَ الَّذي يُريكُمُ الْبَرقَ خَوفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَحابَ الثقال » « 4 » فإنّ إنشاء السحاب بمعنى إيجاد فهو بالنسبة إلى شخصها إيجاد ، وبالنسبة إلى نظائرها إيجاد مع سبق مثال له ، وعلى ذلك فإطلاق الإنشاء على إعادة الإنسان بملاك الإيجاد وانّه خلق ثان وإيجاد بعد الإيجاد .

--> ( 1 ) . الواقعة : 61 . ( 2 ) . الإنسان : 28 . ( 3 ) . الأسفار : 9 / 153 . ( 4 ) . الرعد : 12 .