الشيخ السبحاني

126

مفاهيم القرآن

وأمّا لفظ « مثل » فلا يدل إلّاعلى وجود التغاير بين المثلين ، وإلّاانتفت الاثنينية ، وأمّا تفسير التفاوت بالقول بانّ الإيجاد الأوّل عنصريّ ، والثاني غير عنصري فهذا مما لا يدل عليه استعمال المثل في الآية ، بل غاية ما يستفاد منها هو وجود التغاير والاثنينية ، وأمّا ما هو ملاك التفاوت والاثنينية فلا تدل الآية عليه . الشبهة السابعة : المعاد العنصري عود إلى الدنيا إذا كان المعاد عنصرياً ، وعاد الإنسان إلى الحشر بنفس البدن الدنيوي فهذا يكون عوداً إلى الدنيا بعد خروجه عنها ، ولا يكون رجوعاً إلى اللَّه وقرباً منه ، وكيف يعد ذلك المعاد غاية للخلقة ؟ وهذا ما أشار إليه صدر المتألّهين ، بقوله : ولم يتفطنوا بأن‌ّهذا حشر في الدنيا لا في النشأة الأُخرى وعود إلى الدار الأُولى ، دار العمل والتحصيل لا إلى الدار العقبى ودار الجزاء والتكميل . « 1 » إنّ كون المعاد رجوعاً إلى اللَّه أو اقتراباً منه وغاية للخلقة يعود إلى نفسه لا إلى بدنه ، فهي التي تتحمل هذه الصفات لابدنه ، فسواء تعلّقت بالبدن العنصري أو البدن المثالي ، فرجوعها إلى اللَّه رهن تكاملها لا خروجها من البدن العنصري وتعلّقها بالبدن المثالي ، وإن استغربت من هذا الكلام فلاحظ النفس في هذه الدار فالنفس موجود طبيعي لها أصل في الطبيعة ، كما انّ إدراكها الصورة الجسمية المجرّدة يجعلها موجوداً مثالياً لها أصل في عالم المثال ، كما أنّ إدراكها للكليات والحقائق المرسلة موجود عقلائي لها أصل في عالم العقول . وبالجملة كون الحياة الأُخروية غاية ورجوعاً إلى اللَّه يتبلور في أمرين متحققين في الحياة الأُخروية . أ . تجسم أعماله وتبلور أفعاله وما تواجه من جزاء الخير والشر .

--> ( 1 ) . الأسفار : 9 / 153 .