الشيخ السبحاني

79

مفاهيم القرآن

ثالثاً : لو كان المراد من الأُمّي هو المنسوب إلى أُمّ القرى لكان الإتيان به في ثنايا الخصال العشر إقحاماً بلا وجه واقتضاباً بلا جهة ، بخلاف ما إذا قلنا بأنّه إيعاز إلى أُمّيّته وعدم قراءته وكتابته ولكن في الوقت نفسه جاء بكتاب عجز كلُّ البلغاء عن معارضته ، واخرسّ الفصحاء عن مباراته . وعلى الجملة انّ توصيف النبي بالأُمّي وقومه بالأُمّيين ، إيعاز إلى هذه النكتة ، وإنّ هذا النبي خرج من قوم غير قارئين ولا كاتبين ولا متحضّرين كما هو أيضاً غير قارئ ولا كاتب ، ومع ذلك أتى بشريعة متقنة وسنن محكمة وكتاب بديع بلا بديل . ب - الأُمّيغير المنتحل لملّة أو كتاب سماوي وربّما يقال : إنّ الأُمّي هو غير المنتحل لملّة أو كتاب من الكتب السماوية ولو أطلق على العرب أنّهم ا مّيون فالمراد أنّهم غير منتحلين لكتاب من الكتب السماوية ويدل على ذلك أنّه سبحانه يجعل أهل الكتاب في مقابل الأُمّيين ويقول : « وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ والأُمِّيِّينَ ءأسْلَمْتُمْ فَإنْ اسْلَمُوا فَقَد اهْتَدَوْا وَانْ تَوَلَّوْا فإنّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ وَاللَّهُ بَصيرٌ بِالِعبادِ » ( آل عمران / 20 ) . يلاحظ عليه : إنّ توصيف العرب بالاميّيين لا لأجل عدم إنتحالهم لملّة أو كتاب سماوي بل لأجل عدم إقتدارهم على القراءة والكتابة ، فقد كانت الامّية بهذا المعنى سائدة عليهم كما كان التعرّف عليهما هو الغالب على أهل الكتاب ، فصحّ لأجل ذلك التقابل بين أهل الكتاب والأُمّيين ويعود معنى الآية : « قل » للطائفتين الأُمّيين غير القارئين والكاتبين وأهل الكتاب الذين لهم اقتدار بهما . والذي يدل على أنّ هذا هو ملاك التقابل هو أنّه سبحانه يصف بعض أهل الكتاب بالاميّة ويقول : « وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إلّا امَانِىَّ وانْ هُمْ إلّا يَظُنُّونَ » ( البقرة / 78 ) .