الشيخ السبحاني

63

مفاهيم القرآن

أنّه ممكن ضالّ فاقد للهداية ، وإنّما يعرف طرق السعادة بهداية منه سبحانه ، وعلى ذلك فالآية تشير إلى الضلالة الذاتية التي هي من لوزام وجود الإنسان الممكن ولا يمكن تحديد ذلك بوقت دون وقت ، بل الإنسان منذ أن خرج من بطن أُمّه يُولَد ضالًّا ، واللَّه سبحانه في الآية المتقدّمة يشير إلى ذاك النوع من الضلالة . ويؤيّده أنّ مدار البحث في الآيات ما يرجع إلى أيّام طفوليته وصباه فتفسيرها بالضلالة بمعنى الحيرة في العقيدة ، وضلال الشعاب التي تتبلور في أيام الشباب وما بعده بعيد عن سياق الآيات ويخالف ما هو المعلوم من حال النبي انّه كان موحّداً مؤمناً منذ طفولته إلى شبابه إلى أن أوحى اللَّه إليه سبحانه . إنّ الضلالة تطلق على معنيين يجمعهما فقد الهداية : الأول : هيئة نفسانيّة تحيط بالقلب فيكفر باللَّه سبحانه ، وآياته ، وبيّناته ، وأنبيائه ، ورسله ، أو ببعض منها ، فالضلالة في الكفّار والمنافقين من هذا القسم ، فهم منحرفون في التصوّرات والعقائد ، منحرفون في السلوك والأوضاع . الثاني : فقد الهداية مع كونه لائقاً بها غير أنّه يكون باب الهداية مسدوداً في وجهه كما هو الحال في الأطفال والأحداث فهؤلاء في أوان حياتهم يفقدون الهداية لولا أنّ اللَّه سبحانه يريهم الطريق من طرق الفطرة وهداية العقل ثمّ الشرع . فالنبي كان ضالًّا بهذا المعنى أيكان يفقد الهداية الذاتية وإنّما هداه اللَّه سبحانه منذ أن تعلّقت مشيئته بهدايته ، وربّما يذكر مبدأها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في بعض كلماته وقال : « ولقد قرن اللَّه من لدن إن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليلًا ونهارا » « 1 » . فوزان قوله تعالى : « فَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى » وزان قوله سبحانه : « الَّذي اعْطَى كُلّ شَيىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى » وقوله : « إنّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إلّا الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

--> ( 1 ) . نهج البلاغة الخطبة 117 ( طبع عبده ) .