الشيخ السبحاني

64

مفاهيم القرآن

الصَّالحِاتَ » ( العصر / 2 و 3 ) . فليس الخسران في الآية أمراً وجوديّاً مثل الخسران الموجود في الكافر والمنافق فإنّ الخسران فيهما ينقلب إلى أمر وجودي وهيئة ظلمانيّة في النفس والروح ، بل المراد هو عدم الهداية الذاتية لغرض إنّ كلّ إنسان ممكن ، وكلّ ممكن غير واجد لشيء من صميم ذاته ، وإنّما يجد ما يجد من جانبه سبحانه . نعم ، لو عاش وصار شابّاً وكهلًا وأنكر آيات اللَّه ، ودلائل وجوده ، وأنبيائه ، ورسله ، فعند ذلك يتبدّل الخسران بمعنى فقد الهداية إلى هيئة ظلمانيّة تحدق بالقلب وتظلمه . فالضلالة بالمعنى الأوّل تقارن وجود الإنسان منذ أن يفتح عينه على الحياة ، وبالمعنى الثاني تكون مكتسبة . فتحصل من هذا البحث : إنّ الآية لا تمت بحيرة العقيدة ، وضلال الشعاب في فترة من العمر حتّى يستدل بها عليه كونه كافراً قبل البعثة أو في برهة من حياته ، ويحقّق هذا المعنى ويثبّته بوضوح إنّ السورة بموضوعها وتعبيرها تعكس لمسة من حنان ، ونسمة من رحمة ، وطائف من ودّ ، وكلّها تسلية وترويج وتطمين للنبي ، وإنّه سبحانه قام بأمر حياته وهدايته من أوان يتمه وفقده لأبيه ، وهذا يجر إلى القول بأنّه ناظر إلى الهداية أوان الحياة بعد طروء اليتم عليه ، وعندئذ فالضلالة تعتبر أمراً عدميّاً لا أمراً وجوديّاً . 3 - الإغناء بعد العيلولة يذكر سبحانه من مننه الكبرى على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إنّه كان فقيراً فأغناه اللَّه تعالى بالكسب . روى ابن هشام : كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم ، فكانت قريش قوماً تجّاراً فلمّا بلغها عن رسول اللَّه ما بلغها من صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكرم أخلاقه بعثت