الشيخ السبحاني
82
مفاهيم القرآن
والجواب : إنّ هذه الروايات وإن كانت صريحة في كون إرادته سبحانه فعله ، لكنّها ليست بصدد سلب كون الإرادة صفة الذات حتّى بالمعنى المناسب لذاته عنه على الاطلاق ، وانما هي بصدد أنّ الإرادة الإمكانية الموجودة في الإنسان لا تصلح لذاته سبحانه لأنّها تقترن بالتردّد والتروّي والتفكّر والهمّ والكلّ من سمات الامكان والحدوث وهو سبحانه منزّه عن ذلك . وفرق بين نفي أصل الإرادة عن ذاته سبحانه ، ولو بمعنى غير مستلزم لكون ذاته معرضاً للحوادث ، والإرادة الموجودة في الإنسان والحيوان وبما أنّه كلّما أطلقت الإرادة لايراد منها سوى المعنى المتعارف من التفكّر والهم والقصد ، وصرح الإمام بنفي الإرادة بذلك المعنى عن ذاته وارجاعها فيه سبحانه إلى صفة الفعل ، حتّى يصدر السائل عن حضوره بشيء مقنع وبما أنّ عقليّة بعض الرواة في ذلك العصر لاتتحمّل كثيرا من المعارف الدقيقة اقتنع الامام بتفهيم ما تتحمله عقليته ، وبما أنّ قسماً من الإرادة صفة للفعل ، وقسم منها صفة للذات كعلمه سبحانه ، فإنّ قسماً منه صفة للفعل ، وقسم منه صفة للذات ، اكتفى الامام ببيان أحد القسمين دونالآخر . وهذا أصل مطرد في باب المعارف ، فهم صلوات اللَّه عليهم يكلّمون الناس على قدر عقولهم ولايكلّفونهم بما هو خارج عن طاقة شعورهم . هذا هو سيدالموحّدين علي - عليه السلام - ينهي عن الغور في القدر ويقول : « طريق مظلم فلاتسلكوه ، وبحر عميق فلاتلجوه ، وسراللَّه فلاتتكلّفوه » « 1 » . ومع ذلك فهو صلوات اللَّه عليه بحث عن القضاء والقدر ويشهد لذلك ما رواه الرضي في نفس نهج البلاغة « 2 » .
--> ( 1 ) . نهج البلاغة قسم الحكم الرقم 287 . ( 2 ) . نهج البلاغة قسم الحكم الرقم 78 .