الشيخ السبحاني
49
مفاهيم القرآن
ودهشة بسبب تعارض هذين الأمرين وكلّ منهما يهدف إلى اثبات الكمال للَّه سبحانه ولأجل ذلك ذهبت فرقة إلى نفي الصفات خوفاً من انكار الوحدانية ، كما انّ طائفة أخرى وقعوا في مغبّة الكثرة رغبة في توصيفه بالصفات الكمالية ، وهناك ثلّة جليلة جمعوا بين الوحدة والبساطة ، وكونه متّصفا بصفات كمالية مختلفة . ثمّ ان الإشكال إنّما هو في الصفات الجمالية التي يعبّر عنها بالصفات الثبوتية لكونها راجعة إلى صفات وجودية تختلف كلّ منها عن الأخرى ، فيُشكل الجمع بينها وبين القول بالوحدة والبساطة ، وأمّا الصفات الجلاليّة أعني الصفات السلبية مثل قولنا ليس بجسم ولاعرض فلاتوجب كثرة السلوب ، كثرة في الذات بشهادة انّه يصحّ سلب كثير من الأمور عن الجزء الذي لايتجزئ . ومثلها كثرة النسب والإضافات التي تنسب إلى الذات في مرحلة متأخّرة فهي لا توجب كثرة في الذات ، وذلك نظير الوحدة فإنّها أبسط الأشياء مع أنّه يلحقها أمور إضافية ونسبيّة . فيقال : الواحد نصف الاثنين ، وثلث الثلاثة ، وربع الأربعة وهكذا إلى غير النهاية من النسب والإضافات العارضة للواحد ، فالكلام كلّه في الصفات الثبوتية كالعلم والقدرة والحياة التي لها حقائق خارجية . ثمّ ان بعض المتكلّمين لمّا لم يتوفّق للجمع بين وحدة الذات وكثرة الصفات لجأ إلى أحد الأمرين : الأوّل : إرجاع الصفات الثبوتية إلى السلبية وقد عرفت انّ كثرة السلوب لاتنثلم به وحدة الشيء فمعنى كونه عالماً أنّه ليس بجاهل ، ومعنى كونه قادرا أنّه ليس بعاجز وهكذا وهذه النظرية منسوبة إلى أبي إسحاق النظام ، ولكنّها غير تامّة لأنّه سبحانه واجد لواقعيّة هذه الكمالات حسب الأقيسة العقلية ، وحسب ما يرشد إليه الكتاب والسنّة فهو متصف بالعلم والقدرة ، وبالتالي يطرد عن ذاته الجهل والعجز في الدرجة الثانية لا أنّه ليس له هذه الكمالات وإنّما يسلب عنه النقائص .