الشيخ السبحاني

12

مفاهيم القرآن

وبذلك تقف على قيمة ما روي عن الامام مالك عندما سئل عن معنى قوله سبحانه « الرحمن على العرش استوى » فقال الاستواء معروف ، والكيفيّة مجهولة ، والسؤال بدعة ، والإيمان به واجب « 1 » . ولا أدري كيف جمع بين قوله « الاستواء معلوم » و « الكيفيّة مجهولة » إذ ليس للاستواء إلّا معنى واحد وكيفيته هو حقيقته ، فلو جُهلت الكيفية ، جُهل الأصل فلامعنى للاستواء ( وهم يفسّرونه بالجلوس والاستقرار لابالاستيلاء والاستعلاء ) مع القول بجهالة الكيفية فإنّ الكيفيّة والحقيقة متساويتان . أضف إلى ذلك أنّه لم يعلم وجه قوله : « وإنّ السؤال عنه بدعة » مع أنّ السائل يريد تفسير الآية والتدبّر فيها ؟ وهل السؤال عن مفهوم الآية بقصد التعلم بدعة ؟ وبهذا عطّلوا العقول عن التدبّر في الكتاب العزيز وتفسير أسمائه وصفاته وأفعاله مع قدرتها على التعرف على ما هناك من الكمال والبهاء والجمال والجلال . 3 - المعطّلة بثوبها الجديد وقد ظهر التعطيل أي تعطيل العقول عن المعارف والإلهيات بثوبها الجديد في العصر الأخير ، وقد حمل رايتها المغترّون بالعلوم الطبيعية ، وقد صبغوا نظريتهم بصبغة مادية خدعوا بها عقول البسطاء . قال « فريد وجدي » : « بما أنّ خصومنا يعتمدون على الفلسفة الحسّية والعلم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم ، فنجلعهما عمدتنا في هذه المباحث بل لا مناص لنا من الاعتماد عليهما لأنّهما اللذان أوصلا الإنسان إلى هذه المنصّة من العهد الروحاني » « 2 » .

--> ( 1 ) . الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 65 ، والرسائل الكبرى لابن تيمية ص 32 - 33 . ( 2 ) . على أطلال المذهب المادي ج 1 ص 16 .