الشيخ السبحاني
62
مفاهيم القرآن
وألجمها بأشد الوجوه عندما راودته من هو في بيتها ( وَغَلَّقَتِ الأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَك ) فأجاب بالرد والنفي بقوله : ( مَعاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ) . ( « 1 » ) وهذا موسى كليم اللّه وجد في مدين امرأتين تذودان واقفتين على بعد من البئر ، فقدم اليهما قائلًا : ما خطبكما فقالتا : انا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ، وعند ذلك لم يتفكر في شيء إلّا في رفع حاجتهما ، ولأجل ذلك سقى لهما ثم تولّى إلى الظل قائلًا : ( رَبِّ إِنّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ ) ( « 2 » ) . ( « 3 » ) وكم هناك من شواهد تاريخية على جهاد الأنبياء وقيامهم بواجبهم أبّان شبابهم إلى زمان بعثتهم التي تصدت لذكرها الكتب السماوية وقصص الأنبياء وتواريخ البشر . فهذه العوامل ، الداخل بعضها في إطار الاختيار والخارج بعضها عن إطاره أوجدت قابليات وأرضيات صالحة لإفاضة وصف العصمة عليهم وانتخابهم لذلك الفيض العظيم ، فعندئذ تكون العصمة مفخرة للنبي صالحة للتحسين والتبجيل والتكريم . وإن شئت قلت : إنّ اللّه سبحانه وقف على ضمائرهم ونيّاتهم ومستقبل أمرهم ، ومصير حالهم وعلم أنّهم ذوات مقدسة ، لو أُفيضت إليهم تلك الموهبة لاستعانوا بها في طريق الطاعة وترك المعصية بحرية واختيار ، وهذا العلم كاف لتصحيح إفاضة تلك الموهبة عليهم بخلاف من يعلم من حاله خلاف ذلك .
--> ( 1 ) . يوسف : 23 . ( 2 ) . القصص : 23 - 24 . ( 3 ) . لاحظ قصة موسى في دفعه القبطي المعتدي على إسرائيلي في سورة القصص الآيات : 15 - 20 وفي ذلك يقول : ( رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ) ( القصص : 17 ) .