الشيخ السبحاني

79

مفاهيم القرآن

وحينئذ يكون لفظ المودّة زائداً ومخلًّا بالفصاحة ، وكان الأولى أن يقول : إطاعة اللَّه سبحانه والعمل بما أمركم به ، والإتيان بما يقرّبكم . وكأنّ القائل بهذا التفسير أعطى القيمة لنفس المودّة ، لا لنفس العمل ، مع أنّ المهم هو العمل لا مجرّد المودّة ، إذ كل تارك للواجبات ربّما يود العمل الصالح وإن لم يقم بالإتيان بها . 2 . انّ المقصود من المودّة في القربى هو إظهار الحب والتودد إليه تعالى بالطاعة ، والمعنى إلّا أن تتودّدوا إلى اللَّه بالتقرّب إليه والإتيان بما يقرّبكم إليه . « 1 » وفيه : مضافاً إلى ما عرفت ما في تفسير القربى بالمقرِّب ، إنّه لم يرد في كلامه تعالى إطلاق المودة على حب العباد للَّه سبحانه ، وإن ورد العكس كما في قوله سبحانه : « إنّ ربِّي رَحِيمٌ وَدُود » « 2 » وقوله : « وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ » . « 3 » ووجهه واضح ، فقد فسّر الراغب المودّة بقوله : إنّ مودّة اللَّه لعباده مراعاته لهم . وفيها إشعار بمراعاة حال المودود وتعاهده وتفقده ، ولا يناسب ذلك من العبد بالنسبة إلى اللَّه سبحانه . أضف إلى ذلك أنّه يرجع إلى الوجه السادس الذي نقلناه عن الكشاف . 3 . لا أسألكم أجراً إلّا أن تتواددوا بما يقرِّبكم إلى اللَّه ، كأن يحسن بعضكم إلى بعض فيحصل التحابب والتوادد بما يقربكم إلى اللَّه . ولعل هذا الوجه أوفق لعبارة بعضهم حيث قال : لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجراً إلّا التوادّ والتحابّ فيما يقربكم إلى اللَّه من العمل الصالح .

--> ( 1 ) ذكره الرازي وجهاً للآية راجع مفاتيح الغيب : 7 / 389 . ( 2 ) هود : 90 . ( 3 ) البروج : 14 .