الشيخ السبحاني
22
مفاهيم القرآن
فراراً منه ، فأماتهم اللَّه جميعاً وأمات دوابهم ثم أحياهم ، لمصالح وغايات أُشير إليها في الآية . هذا هو ما ذهب إليه الجمهور ، ولكن الأُستاذ أنكر ذلك واختار كون الآية مسوقة سوق المثل ، وانّ المراد بهم قوم هجم عليهم أُولو القوة والقدرة من أعدائهم لاستذلالهم واستخدامهم وبسط السلطة عليهم ، فلم يدافعوا عن استقلالهم وخرجوا من ديارهم وهم أُلوف ، لهم كثرة وعزة حذر الموت ، فقال لهم اللَّه : موتوا موت الخزي والجهل ، والخزي موت ، والعلم وإباء الضيم حياة ، فهؤلاء ماتوا بالخزي وتمكن الأعداء ، منهم ، وبقوا أمواتاً ثم أحياهم بإلقاء روح النهضة ، والدفاع عن الحق فيهم ، فقاموا بحقوق أنفسهم ، واستقلّوا في أمرهم . « 1 » ولا يخفى على القارئ الكريم أنّ تفسير الأُستاذ هذا نابع من موقفه المسبق حول خوارق العادة والكرامات والمعجزات وذلك : أوّلًا : أنّه لو كانت الآية مسوقة سوق المثل وجب أن تذكر فيه لفظة « المثل » كما هو دأبه سبحانه في الأمثال القرآنية ، مثل قوله : « كَمَثَلِ الّذِي استَوْقَدَ ناراً » . « 2 » وقوله تعالى : « إنّما مَثَلُ الحياةِ الدُّنيا كماءٍ أنزَلناهُ » . « 3 » وقوله تعالى : « مَثَلُ الّذِينَ حُمِّلُوا التّوراةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِل أسفاراً » . « 4 » فحمل الآية على المثل وإخراجها عن كونها وردت لبيان قصة حقيقية ، تفسير بلا شاهد ، وتأويل بلا دليل . ثانياً : لو كان المراد من الموت هو موت الخزي والجهل ، ومن الحياة روح النهضة والدفاع عن الحق ، فحيث إنّ المفروض أنّهم قاموا بحقوق أنفسهم
--> ( 1 ) تفسير المنار : 2 / 458 - 459 . ( 2 ) البقرة : 17 . ( 3 ) يونس : 24 . ( 4 ) الجمعة : 5 .