الشيخ السبحاني

23

مفاهيم القرآن

واستقلوا بأمرهم ، وجب أن يمدحوا ، ويذكروا بخير ، مع أنّه سبحانه يقول في ذيل الآية ذاماً لهم : « إنّ اللَّه لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون » . والعجب أنّ الأُستاذ ردَّ نظرية الجمهور بقوله سبحانه : « لايَذُوقُونَ فِيها المَوتَ إلّا المَوتَةَ الأُولى » « 1 » قائلًا بأنّه لا معنى لحياتين في هذه الدنيا . « 2 » والجواب : أنّ الحياة الدنيا لا تصير بتخلل الموت حياتين ، بل هي حياة واحدة ، أيضاً ، وإلّا فماذا يقول في أصحاب الكهف الذين ضرب اللَّه على أسماعهم ثلاثمائة سنة انقطعوا فيها عن هذه الحياة ثم رجعوا إليها ، والسبات على طائفة بمدة ثلاثمائة سنة ، لا تقصر عن الموت ، بل هو والموت سواسية . ولو قال بأنّ ظاهر الآية انّ الناس لا يذوقون إلّا موتة واحدة ، وعلى هذا التفسير فهؤلاء ذاقوا الموت مرتين . فجوابه : أنّ مشيئته سبحانه هو أن لا يذوق الانسان إلّا موتة واحدة ، إلّا إذا كانت هناك مصالح توجب تعدد الموت ، مثل قوله سبحانه : « رَبَّنا أَمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْن » . « 3 » وقوله : « ويَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمّةٍ فَوْجاً » « 4 » . وليست الآية راجعة إلى يوم البعث ، فإنّه يحشر فيه جميع الناس والأُمم جمعاء لا فوج منهم . * النموذج الخامس : قال اللَّه سبحانه : « أو كالّذِي مَرَّ على قَرْيةٍ وهِيَ خاويةٌ على عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هذهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فأماتَهُ اللَّهُ مائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ

--> ( 1 ) الدخان : 56 . ( 2 ) تفسير المنار : 2 / 458 - 459 . ( 3 ) غافر : 11 . ( 4 ) النمل : 83 .