الشيخ السبحاني

93

مفاهيم القرآن

للارتفاع بعدظهور النبي اللاحق وإن كانت الشريعة باقية . على أنّ الظاهر من بعض الآيات ، تخصيص كلّ نبي لاحق وإن كان تابعاً لشريعة من قبله ، بشيء من الحكم ، لم يكن موجوداً في شريعة من قبله ، فلم يكن وزانهم وزان العلماء بحيث لا يزيدون ولا ينقصون ، بل كان لهم بعض الخصائص من الأحكام والتعاليم ، كما يفيده قوله سبحانه : « قُلْ آمنّا باللَّهِ وَمَا انزِلَ عَلَيْنا وَمَا انزِلَ عَلَى إِبرهِيم وإِسمعِيل وإِسحقَ وَيَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ وَمَا اوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى والنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » ( آل عمران - 84 ) . فظهور الآية في استقلالهم بالنبوّة واختصاص كلّ واحد بشيء من الوحي ، ممّا لا ينكر ؟ نعم كون شريعة نوح محدودة ببعث إبراهيم أو كون شريعة الأخير محدودة ببعث موسى - عليهم السَّلام - لا ينافي كون الامّة المحمدية مأمورة باتباع ملّة إبراهيم لا لأجل بقاء نبوّته أو شريعته بل لأجل وحدة الشريعتين في الجوهر والأصول التي أهمّها التوحيد ورفض الأوثان والأصنام ، قال سبحانه : « إِنّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبرهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبعُوهُ وهَذَا النَّبِيُّ والّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ وَلِيُّ المؤْمِنِينَ » ( آل عمران - 68 ) . وقوله : « فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبرهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَان مِنَ المشْرِكِينَ » ( آل عمران - 95 ) . إلى غير ذلك ممّا ورد من الأمر بالاتباع لملّة إبراهيم ، وهذا لا يدل على بقاء الشريعة ، بل لما كان إبراهيم ، هو البطل الوحيد في كسر شوكة الأصنام وتحطيم أنوف المشركين وعبدة الأوثان وقد بعث النبي الأعظم محمد - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - بنفس ما بعث به إبراهيم ، أمر سبحانه بالاتباع لملّته وطريقته قال : « مِلَّةِ أَبِيكُمْ إِبرهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المسلِمِينَ مِنْ قَبْلُ » ( الحج - 78 ) . ولأجل هذه الملاحظة ، يقول يوسف لصاحبيه في السجن : « واتَّبعْتُ مِلَّةَ آبائي إِبرهِيمَ وإِسحقَ ويَعْقُوبَ » ( يوسف - 38 ) .