الشيخ السبحاني

87

مفاهيم القرآن

ويمكن الإجابة عن الاستدلال بهذه الآيات أوّلًا : بأنّ كون الكتاب نوراً وهدى للناس ، لا يفيد تعميم شريعة موسى وأحكامه لغير بني إسرائيل ، إذ من الممكن أن يستفيد الغير مما ورد في ذلك الكتاب من عظات وحكم وإن لم يكن تابعاً لأحكام ذلك الكتاب . فنحن المسلمون ، نستفيد في هذا اليوم مما في التوراة والإنجيل من المواعظ ولسنا تابعين لشريعة من انزلا إليه . فبذلك يظهر الجواب عن الاستدلال بقوله سبحانه : « ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى وهرُونَ الفُرْقَانَ وضِيَاءً وذِكْراً للمُتَّقِينَ » ( الأنبياء - 48 ) . وثانياً : انّ الظاهر من بعض الآيات اختصاص كتاب موسى بقومه مثل قوله تعالى : « وءاتَيْنَا مُوسَى الكِتابَ وجَعَلنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسرءِيلَ » ( الإسراء - 2 ) وقوله سبحانه : « ولَقَدْ ءاتَيْنا مُوسَى الهدَى وأَوْرَثْنَا بَنِي إِسرءِيلَ الكِتبَ » ( غافر - 53 ) . فلو كان كتابه حجة على الناس كلّهم لورثه الناس كلّهم دون بني إسرائيل وحدهم « 1 » . وقوله : « مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا على بَنِي إِسرءِيلَ أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ في الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَل الناسَ جَمِيعاً » ( المائدة - 32 ) . وقد كتبه سبحانه عليهم في التوراة . وقوله : « وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسرائيلَ الكِتَب والحُكْمَ والنبُّبوَّةَ » ( الجاثية - 16 ) . وإن أردت أن تتوسع في البحث فلاحظ الآيات التالية فانّها تخص بني إسرائيل

--> ( 1 ) - نعم يمكن أن يقال : انّ تخصيص بني إسرائيل بأنّهم الوارثون لكتاب موسى لأجل أنّ بني إسرائيل وأنبياءهم ، هم القائمون بأمر الكتاب وحفظه دون سائر الناس ، فلأجل ذلك خصهم بالميراث ، وإن كانت الشريعة عامة . وهذا نظير قوله تعالى : « ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا » ( فاطر - 32 ) فورّث الكتاب العباد المصطفون وإن كانت الشريعة عامة ، على أنّه يحتمل أن يكون المراد بالكتاب ، هو الوعد الذي وعده اللَّه لإبراهيم وموسى بأن يدخلهم الأرض التي كتبها اللَّه لهم .