الشيخ السبحاني

68

مفاهيم القرآن

الأوّل : انّ المراد من « القرى » في قوله تعالى : « لِتُنذِرَ أُمَّ القُرى وَمَنْ حَولَهَا » ما يعم المدن الواسعة ، وقد أطلق لفظ القرية في القرآن على المدينة أيضاً كقوله تعالى : « وسْئَلِ القَريَةَ الَّتي كُنَّا فِيهَا والعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصدِقُونَ » ( يوسف - 82 ) والقرية التي اقترح أبناء يعقوب على أبيهم أن يسألها ، هي مدينة « مصر » وقد كانت يوم ذاك مدينة كبيرة ، ذات أبواب متفرّقة ، لقوله سبحانه : « يبَنيَّ لا تَدخُلُوا مِن بَابٍ وحِدٍ وَادْخِلوا مِن أَبُوبٍ متفرِّقَةٍ » ( يوسف - 67 ) . الثاني : قد استفاضت الروايات من مهبط الوحي والتنزيل على أنّ اللَّه سبحانه دحى الأرض يوم دحاها ، من تحت مكة ، والمراد من الدحو من تحتها أنّ أرض مكة هي أوّل قطعة من الأرض أخرجت من الماء ، بعد ما كانت الأرض بعامة أجزائها مغمورة بالماء ، ثم برز سائر اجزائها ، عن تحت الماء تدريجاً ، وبذلك صارت مكة امّاً لسائر البلاد ، وأصلًا لسائر القرى ومركزاً تكوينياً للأرض . قال : إذا كان إطلاق امّ القرى على مكة بهذه المناسبة ، فيصير المراد من « أُمّ القرى » ، أيأُمّ البلاد الموجودة في العالم ومركزها التكويني كما يصير المراد من « ومن حولها » عامة من يعيش في نواحي الأرض وسائر أقطارها كلّها وإليه ذهب حبر الامّة عبد اللَّه بن عباس ، وفسّره الإمام الطبرسي بقوله : « من سائر الناس وقرى الأرض كلّها » « 1 » فتصير الآية من الأدلّة الدالّة على عالمية رسالته . وفي هذا الجواب مجال للنظر والبحث : أمّا أوّلًا : فلأنّ أُمّ القرى ليست علماً لمكة ، بل كلّياً اطلق عليها في هذه الآية بما أنّها إحدى مصاديقه ، كيف وقد قال سبحانه مبيّناً لسنّته في الأمم الماضية جميعاً : « وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكُ القُرَى حَتّى يَبعَثُ فِي امّها رسُولًا » ( القصص - 59 ) أيحتى يبعث في أُمّ تلك القرى رسولًا يبلّغ رسالات اللَّه عليهم . وهذه سنّة اللَّه تعالى في إبادة الأمم الطاغية مطلقاً ، غير مختصة بالامّة العائشة بمكة ومن حولها .

--> ( 1 ) - مجمع البيان ج 5 ص 22 .