الشيخ السبحاني
69
مفاهيم القرآن
وهذا إمام اللغة ابن فارس ، يقول في مقاييسه : « أُمّ القرى ، مكة ، وكلّ مدينة هي أُمّ ما حولها من القرى » . قال ابن فندق في تاريخه : إذا تركّزت أمور منطقة خاصة في محل ، يقال له باعتبار القرى والقصبات التابعة له ، أُمّ القرى ، ثم أتى بأمثلة وقال : فصنعاء أُمّ القرى في اليمن ، « وبغداد » أُمّ القرى في العراق ، بعد ما كانت « البصرة » يوماً أُمّ القرى ومرو أُمّ القرى في خراسان وهكذا . . . « 1 » . فهذا التركيب ( أُمّ القُرى ومن حولها ) ليس من مصطلحات القرآن واختصاصاته بل كان دارجاً في عصر الرسالة وقبله وبعده ، وقد نزل القرآن بلسان النبي الذي هو لسان قومه وليس له في هذا التركيب اصطلاح خاص ، بل هو والعرف في ذلك سواسية ، فلا يصلح أن يحمل على غير ما هو المتفاهم عندهم . فإذا قيل : « لِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَن حَولَهَا » وقامت القرينة على أنّ المراد من أُمّ القرى مكة ، فلا يراد منه وممّا عطف عليه إلّا ما يراد في نظائرها ، فإذا قيل : هذا إمام البصرة أو سائسها ومن حولها ، فلا يراد إلّا نفوذ حكمه في نفس البصرة والمناطق التابعة لها ، حكماً وسياسة واقتصاداً ، أو غيرها من وشائج الارتباط ودوافع التبعية ، لا أنّه إمام الأرض شرقاً وغرباً ، وهكذا إذا قيل : بعث نبي الإسلام لينذر مكة ومن حولها ، لا يراد منه إلّا أنّه بعث لينذر من يعيش في مكة والمناطق التابعة لها عرفاً ، سياسة وحكماً أو اقتصاداً وتجارة ، أو غيرها من القرى القريبة المتاخمة لها ، القائمة عند حدودها والمناطق التابعة لها في العلاقات الاجتماعية لا أنّه بعث لينذر أهل العالم كلّه ، فإنّ إرادة هذا المعنى من هذا التركيب غير معهود ، لو لم يكن مستهجناً . وأمّا ثانياً : فلأنّ ما ذكره من حديث دحو الأرض إلى آخره ، صحيح ، غير أنّ إطلاق أُمّ القرى على مكة بهذه المناسبة التكوينية يحتاج إلى دليل ، ودون اثباته خرط القتاد ، والعرب الجاهليون كانوا يطلقون أُمّ القرى ، على مكة ، من غير أن يكون لهم علم
--> ( 1 ) - تاريخ بيهق ج ص 22 بتعريب منّا .