الشيخ السبحاني
79
مفاهيم القرآن
تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضّغن ، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وإنّ الأزلام لمعه في كنانته ، وصرخ جبلة بن الحنبل : ( ألا بطل السحر اليوم ) « 1 » . إلى غير ذلك من الأحداث والوقائع ، التي كشفت عن تأصّل الرواسب الجاهليّة في نفوسهم ، وعدم تغلغل الإيمان والعقيدة في قلوبهم . حتّى أنّنا نجد القرآن يشير إلى ذلك تعليقاً على ما حدث ووقع منهم في معركة ( أحد ) إذ يقول سبحانه : « وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الْرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِريِنَ » ( آل عمران : 144 ) . ويقول في شأن من راح يبحث عن ملجأ له فراراً من الموت : « وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِليَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيءٍ » ( آلعمران : 154 ) . وصفوة القول ؛ أنّنا لا ننكر - في الوقت نفسه - وجود من بلغت عقيدته واستقامته حداً استوجب أن يتحدث اللَّه عنه في كتابه بقوله : « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدَاً عَلَيْهِ حَقَّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » ( التوبة : 111 ) . بيد أنّ الأكثرية منهم لم تكن قد بلغت ذلك المبلغ من رسوخ الإيمان وعمق العقيدة ، ولم يكونوا قد تخلّصوا تماماً من رواسب الجاهلية . ويدلّ على ما ذكر من عدم تغلغل الإيمان في نفوس أكثرية الصحابة والمعاصرين للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالإضافة إلى ما ورد من آيات ؛ ما أخرجه أصحاب الصحاح والسنن ، والمسانيد في هذا المجال من أخبار وأحاديث صحيحة .
--> ( 1 ) - سيرة ابن هشام 2 : 442 - 444 .