الشيخ السبحاني

80

مفاهيم القرآن

فقد روى البخاري عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قوله : « ما بعث اللَّه من نبيّ ولا استخلف من خليفة إلّا كانت له بطانتان ؛ بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالشّرّ وتحضّه عليه ، فالمعصوم من عصمه اللَّه » « 1 » . وروى البخاري أيضاً في صحيحه « 2 » في باب ( وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ) من كتب التفاسير بسنده عن ابن عباس ، قال : خطب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال : « ألا وإنّه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشّمال فأقول ياربّ : أصحابي . . . فيقول : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصّالح « وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهيدَاً مَا دُمْتُ فِيْهمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَني كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ » فيقال : إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم ما فارقتهم » « 3 » . فهل كان يجوز لصاحب الدعوة - والحال هذه - أنّ يتجاهل أمر القيادة من بعده ، ولا ينصب أحداً باسمه وشخصه ، ويدع تلك الامّة الحديثة العهد بالإسلام ، الناشئة في الدين ، التي لم تترسّخ العقيدة الإسلاميّة في مشاعر الأكثريّة من أبنائها وأفرادها ، ولمتكتسب من التربية الفكريّة ، والإداريّة ما يجعلها قادرةً على إدارة نفسها بنفسها بحزم ، ومتمكّنةً من تدبير شؤونها بدراية وحنكة ؟ ! أم لابدّ من تعيين قائد ونصب زعيم مدير لها بعد النبيّصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يكون له من المؤهلات

--> ( 1 ) - صحيح البخاري 4 : باب ( بطانة الإمام وأهل مشورته ) : 150 . ( 2 ) - صحيح البخاري 3 : 85 . ( 3 ) - وقد ورد هذا الحديث بنصّه وطوله ، أو باختلاف يسير في : كتاب التفسير في باب « كَمَا بَدَأنَا أَوّلَ خَلْقٍ نُعِيْدُهُ » وفي باب ( كيف الحشر ) من صحيح البخاري نفسه ، وفي صحيح مسلم في كتاب الجنّة ونعيمها ، وفي صحيح الترمذيّ بطريقتين باب ( ما جاء في شأن الحشر ) وفي أبواب ( تفسير القرآن ) ، وفي صحيح النسائيّ ( ج 1 ) في ذكر أوّل من يكسى ، وفي مستدرك الحاكم في كتاب التفسير في ( سورةالزخرف ) ، وفي مسند أحمد بن حنبل ( ج 1 : ص 235 وص 253 ) وفي مسند الطيالسيّ ( ج 1 ) في أحاديث سعيد بن جبير عن ابن عبّاس . وفي الدرّ المنثور للسيوطيّ في تفسير قوله تعالى : « وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيْسَى ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسَ » وقال أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذيّ .